أوبرا وينفري في العالمين

اوبرا وينفري
اوبرا وينفري

أوبرا ويفنري، من منا لا يعرفها، فقد ذاع صيتها في العالمين، ودخلت كل بيت عبر شاشات الفضائيات بكل لغات العالم تقريباً.

هذه المذيعة مقدمة البرامج التلفزيونية الأمريكية من أصل أفريقي، هي قصة نجاح متواصل، ليس بالفهلوة والحذلقة وثقل الدم، وإنما بالذكاء الطبيعي، والجرأة المبدعة، والإنسانية المتجاوزة للحدود والأجناس والثقافات، وتلك الضحكة العذبة المؤنسة لضيْفاتها وضيوفها، خاصة أولئك الذين خبروا العذاب وعانوا المعاناة وتقطعت بهم السبل النفسية والأخلاقية والإجتماعية، فاستحقوا يد العون من أوبرا وينفري، التي ذاقت ما ذاقوه وأكثر ربما، حيث ولدت عام 1954، وعاشت طفولة تعيسة وفقيرة، فقد كان والدها حلاقاً، وأمها تعمل في خدمة البيوت، وقد انفصل والداها في غضاضة صباها، فعاشت لدى جدتها في حي فقير بولاية مسيسيبي الأمريكية، إلى أن بلغت السادسة من عمرها، ثم هامت على وجهها في الشوارع قبل أن تعثر على نفسها وقد شارفت على العشرين لتشق طرقها إلى النجومية والشهرة والثراء العريض، فثروتها اليوم تقدر بمليار ونصف المليار دولار، وتعدّ بين أكثر نساء العالم الشهيرات قوة وتأثيراً وحُباً لعمل الخير.

وقد بدأت عام 1986 برنامجها الشهير (أوبرا وينفري شو)، وخلال السنة الأولى لعرضه جمع البرنامج 125 مليون دولار، حصلت أوبرا منها على 30 مليون دولار، مما دعاها إلى شراء البرنامج ليكون من إنتاجها وتوزيعها، وتكون لها عوائده خالصة من دون شركاء، وهو يُبث اليوم في 112 دولة، ويشاهده داخل الولايات المتحدة فقط 30 مليون مشاهد أسبوعياً، وقس على ذلك حول العالم.

القصة ليست هنا، وإنما في الوجه الآخر، في السخاء الإنساني، والبذل، والتعاطف مع المعذّبين الضائعين لإسعادهم بقدر الإستطاعة. وقد سافرت الأسبوع الماضي إلى جوهانسبيرج بجنوب أفريقيا، لافتتاح مدرسة خاصة تبرعت بها من حرّ مالها وكلفتها 40 مليون دولار أمريكي، وذلك لاستيعاب 125 فتاة أفريقية فقيرة، وقد شاركها حفل الإقتتاح الزعيم نيلسون مانديلا، الذي كانت قد أعلنت عن بدء المشروع بحضوره ومباركته في يوم 6 سبتمبر 2002، وقد قالت كلمة مؤثرة قبل الإفتتاح لخّصت سيرة حياتها، حين أشارت إلى أن “قصتهن هي قصتي”، هذا الوجه الآخر هو الذي يعطي للحياة معنى، وللسعادة محتوى، وللشهرة بريقاً لا ينطفئ، وهي ببرنامجها وكرمها الذي لا يطلب مقابلاً، تُجَمِّل وجه أمريكا الذي قبحته السياسة، وبذلك تقول للبشرية إن الشعب الأمريكي ليس هو الإدارة، وإنما أوبرا وأمثالها كـ (بيل جيتس) وشريكه اللذين أنشئا مؤسسة خيرية لجميع شعوب العالم رأس مالها 60 مليار دولار، ومثل هؤلاء الكثير في ذلك البلد الكبير الغني.

أشير إلى أن أوبرا حين أعجبت وتعاطفت مع كتاب (السجينة) للمغربية مليكة أوفقير اشترت من ناشره الأمريكي 700 ألف نسخة دفعة واحدة، ومن لم يقرأ هذا الكتاب فليبحث عنه بالعربية. وهكذا من وسط الكآبة التي تشيّعها الإدارة الأمريكية في العالم تنبثق نجوم تعيد الأمل إلى الإنسانية المعذبة.


مرحى أوبرا

10 ديسمبر 2008
الذين يولدون في الألم ومن الألم، ويعانون الولادات المُتجدّدة بين عُسرٍ وعُسر، وبين دمعة ودمعة، وبين انطفاء وانطفاء، حتى يتمكنوا – بالصبر، والإيمان، والمجاهدة، وترميم النفس، وإضاءة شمعة في الظلمات الكالحة – من الوقوف على أقدامهم والنظر إلى كل أمرٍ في حجمه الحقيقي وقيمته غير المُزيّفة، شأنهم شأن الإنسان الذي براه المرض ونخله نخلاً حتى تمنّى الموت، ثم تنزّلت الرحمات، ومنّ الله تعالى بالشفاء والبرء، فأصبح يدرك بمعقٍ وشفافية ونقاء ضمير وتجرّد نوارني نعم الله عزّ وجل، وأن الدنيا بأسرها لا تعدل ساعة ألم كاوٍ، ولذلك جاء في الأمثال أن الصحة تاجٌ على رؤوس الأصحاء لا يَراهُ إلاّ المرضى.
أمس الأول اختارت مجلّة هوليوود ريبورتر الأمريكية أوبرا وينفري المرأة الأكثر بياضاً ونقاءً، رغم سحنتها السمراء، بصفتها أكثر النساء تأثيراً في عاصمة السينما الأمريكية، وبذلك اعتبرها النقاد أقوى امرأة في العالم، ليس بالعضلات البدنية أو المالية، وإنما بالنموذج والقدوة والإقدام غير الهيّاب على أعمال الخير، وسجيّة النفس الكريمة التي تُنفق كأنها لم تسمع عن شيء إسمه الفقر والحرمان، وقد كانت إبنتهما بامتياز “الفقر والحرمان” في طفولتها البائسة المشرّدة التي تعرّضت فيها إلى ما تعرّضت من طفح الحياة، حتى الإغتصاب ذاقت مرارته، فعملت بطاقاتها التي لا تنضب وثقافتها الإنسانية المُشرقة، وبساطتها الآسرة في برنامجها الشهير الذي يُشاهده مئات الملايين – وهو الأعلى مشاهدة في الولايات المتحدة – على التنوير وكشف المآسي وإهداء البسمة إلى المشاهدين في الأستوديو وعبر الفضائيات، وقد نجحت نجاحاً لافتاً، فحيثما تضع يدها وتُنشئ مشروعاً يتحوّل إلى منجم ذهب، حتى أن دخلها العام الماضي قارب الإربعمائة مليون دولار، ونعرف أن من مقاييس النجاح الأمريكية الثراء، حيث هناك من يثري بعبقريته وعرق جبينه مثل أوبرا وينفري، فيما آخرون يثرون بالنصب والكذب والإحتيال، مثل جماعة وول ستريت، الذين نكبوا شركاتهم ونكبوا الإقتصاد العالمي.
أوبرا لم تتنصّل من لونها كما فعل التعيس مايكل جاكسون، الذي حوّل وجهه إلى وجه بلياتشو ينفع للسيرك لا لخشبة المسرح. وقد كان لأوبرا موقفٌ اعتبره البعض محورياً بجانب ابن جلدتها – ما دامت المسائل تؤخذ بالجلود لا بالقلوب – باراك أوباما، فآزرته ودعمته واحتضنته بتأثيرها الذي لا يُبارى على الرأي العام، وكان أن وقف التاريخ على قدميه بعد أن كان يسير على رأسه في ظل الإقصاء اللوني والإثني والمذهبي.
وللحق فإن الشعب الأمريكي بألوان الطيف التي يتجلى فيها، قد بلغ من النضج الديمقراطي والحس الإنساني السليم ما جعل منه نموذجاً مُلهماً لشعوب العالم الذين ينظرون بإعجاب وغبطة إلى نزاهة الإنتخابات والتداول السلمي للسلطة والإذعان لصندوق الإنتخابات.
ومن ير اليوم باراك حُسين أوباما وهو يحمل عصا المايسترو لفريق عمل هم بين صفوة النخبة، خبرة وتجربة واعتزازاً بالنفس، يدرك إلى أي مدى تحوّلت أمريكا واستدارت على عقبيها، والحقيقة أنه إذا ما كان هناك من فضل لـجورج بوش الصغير أنجزه دون أن يعلم أو يخطّط له فهو هذا التحوّل، بعد حماقاته وسياساته الفاشلة وتكبّره الفارغ وما جرّه من المآسي والمخازي، أدرك الشعب الأمريكي، بفطرته السليمة أن اللون لم يعد يعني شيئاً، وأن أكثر الأمور سواداً قد تكون وراء أكثر الوجوه بياضاً، وهذا التحوّل لم يأت مجاناً أو بلا ثمن، فأجداد أوبرا لا تزال السلاسل التي كانت تجزّ أرجلهم كعبيد تصلصل في دماء أحفادها، وما فوز أوباما سوى تعويضٍ بسيط لعصورٍ من المهانة.
مرحى أوبرا، ومزيداً من النجاح يا مَنْ وُلِدِّتِ من الألم، فأشرقت بالفرح… وكل عامٍ وأنتم بخير.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s