يافع… أكثر من مجرد تاريخ وتضاريس

الكاتب: فضل النقيب

تصوير: مبارك اليافعي

“عراقة الإنسان والحضارة والعمارة”

بقدر ما هو عريق جداً في قِدمه، ومنفتح على أهله وأهل جواره، بقدر ما يسبح هذا اليمن الجميل… في سحر الغموض، ويحتضن بحب وتبجيل التاريخ وتفاصيل تضاريسه الناعمة في قسوتها…

هذا اليمن السعيد… هل تعرفونه؟ ماذا تعرفون عنه؟ وكم تعرفون عنه؟

تقع منقطة يافع المشهورة بعمارتها الفريدة في شرق اليمن مع إمتداد غربي يحاذي خليج عدن على ساحل البحر، وتنقسم تقليدياً وقَبلياً إلى ثلاث مناطق: يافع العليا، يافع السفلى، يافع الساحل وعاصمتها (جعار) في أبين. أما العليا فعاصمتها (المجبة) والسفلى عاصمتها (القارة).

منطقة يافع
منطقة يافع

وتنقسم يافع العليا إلى خمسة مكاتب هي: الموسطة، المفلحي، الضُّبي، البُعسي، والحضرمي، والسفلى كذلك إلى خمسة هي: اليهري، السعدي، ذي ناخب أو الناخبي، اليزيدي، والكلدي. أما الساحل فليس مصنفاً قبلياً، لأنه خليط مع الجميع، وكان مركزاً للسلطنة القعطبية، وهو إمتداد حضرمي أكثر منه قبلياً. ويقدر عدد سكان المنطقة بحوالي نصف مليون نسمة، يوجد في المهاجر المختلفة حوالي نصف ذلك العدد.

تجانس المنطقة الثقافي والقبلي واكتفاؤها الذاتي في الماضي جعلاها في عزلة حفظت خصائصها من الإندثار
تجانس المنطقة الثقافي والقبلي واكتفاؤها الذاتي في الماضي جعلاها في عزلة حفظت خصائصها من الإندثار

وليافع إمتدادات سكانية في منطقة ردفان المجاورة، وفي عدن، وفي حضرموت على وجه الخصوص، حيث يُصنّف (يوافع) حضرموت إلى (تلد) أي قدماء جداً، ومحدثين منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر، وحتى إنهيار السلطنة القعيطية اليافعية في 30 نوفمبر 1967 عند إعلان رحيل الإستعمار البريطاني، وقيام دولة الإستقلال الموحدة في جنوب اليمن آنذاك.

يافع
يافع

تاريخ مجيد

لا نستطيع في هذه العجالة الصحفية أن نحيط بتاريخ عريق ضارب في القِدم، ولكن يكفي أن نقول: إن يافع هي جزء أصيل من (سرو حمير) مركز الدولة الحميرية التي خلفت الدولة السبئية، واستمر أقيالها وأذواؤها ومكاربها في توزع الحكم في منطقة وادي بنا حتى مجيء الإسلام، حيث انضم عدد كبير من أبناء يافع إلى جيوش الفتح الإسلامية، وكان لهم دور بارز في فتح مصر على ميمنة جيش عمرو بن العاص، وهم الذين اجتازوا النيل إلى الضفة الأخرى فيما يعرف اليوم بـ (الجيزة)، حيث لا تزال لهم شواهد وأسماء، كما ساهموا بفعالية في فتوحات شمال إفريقيا والأندلس ومنهم قادة وقضاة وشعراء يمكن الرجوع إليهم في كتاب المؤرخ محمد عبدالقادر بامطرف في كتاب الجامع. وفي العصور الحديثة أقام أبناء يافع عدة دول في حضرموت شرقاً كان أكبرها وأشهرها الدولة القعيطية التي سيطرت على معظم الإقليم، ولذلك قصة تاريخية مشوّقة لا مجال لذكرها في هذا الحيّز. كما عبر أبناء يافع مع إخوانهم الحضارم إلى الهند، وتجندوا مع الممالك الإسلامية قبل مجيء الإستعمار الإنجليزي. وكذلك ترحلوا إلى أندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، ولا يزال لهم وجود متوارث في كل هذه البلدان. وعقب الحرب العاملية الثانية توجهت موجات الهجرة إلى بريطانيا وشرق أفريقيا وأمريكا، ولا يزال كثيرون منهم مقيمين في تلك الدول.

تاريخ عريق
تاريخ عريق

أما في عصر البترو العربي فقد اتجهوا إلى السعودية والخليج العربي، وعملوا وأقاموا في البحرين وقطر والإمارات، وبرزت منهم في السعودية بيوت تجارية مرموقة، تبذل الآن جهوداً للإستثمار في اليمن.

باختصار فإن الأرض اليافعية هي أرض طاردة للسكان على مدى التاريخ بسبب قلة الموارد، وضيق الأرض، وانخفاض معدلات وفيات الأطفال لأسباب لا مجال للتفصيل فيها، وهذا ما جعل الهجرة والرحيل فصلاً من فصول حياة سكانها. 

الطريق إلى يافع

يمكن الوصول إلى يافع من عدة طرق، فمن العاصمة صنعاء عبر محافظتي ذمار والبيضاء، أو عبر محافظة ذمار، فمحافظة الضالع تفرعاً من مدينة (الحبيلين)، ومن عدن يمكن الوصول إليها عبر لحج أو عبر أبين, وقد وفرت الطرق الإسفلتية الحديثة المنجزة عقب الوحدة تسهيلات كانت في باب الأحلام، وهذا ما جعل منها منطقة جذب سياحي للمهاجرين من أبنائها وأصدقائهم، وتالياً للسياحة العامة، حين توجد بنية أساسية أهمها فنادق معتدلة الأسعار، وعموماً فإن الرحلة التي تستغرق ساعتين ونصف الساعة بالسيارة من عدن، يمكن أن توجد سياحة اليوم الواحد أو اليومين.

المعمار اليافعي

تتميز يافع بمعمارها الفريد، الذي وصفته أستاذة العمارة في جامعة لندن (سمر الدملوجي) بأنها ناطحات السحاب الحجرية التي لا مثيل لها في العالم، ويصل إرتفاع البيوت المبنية من أحجار البيئة حتى سبعة طوابق تضم كل المستلزمات لحياة آمنة، وهي تتماهى مع الجبال في ألوانها وشموخها، وتميزها خطوط بيضاء تعرف بـالنورة البيضاء أو القص، تحدد كل طابق من الخارج، ولم يكن يستخدم في بنائها غير الأحجار بمقاسات مختلفة، وبصناعة أيد ماهرة محلية توارثت صنعة البناء أباً عن جد. وهذه البيوت تعمر مئات السنين حتى أن البيت الذي ولد فيه كاتب هذه السطور يزيد عمره على ستمائة عام، لم يعرف خلالها سوى ترميمات جزئية خارجية، خاصة في السقف الأعلى الذي يتأثر بالأمطار.yafe34

وتمتاز أيضاً بأن عمارتها تأخذ في الحسبان مسألة الدفاع في حال الحروب القبلية، فالنوافذ صغيرة ويمكن سدها بالأحجار والأبواب الخارجية تشبه أبواب القلاع، وهناك مساقط للرصاص وصب المياه الساخنة أو الزيوت الحارقة على من قد يحاولون تحطيم باب البيت واقتحامه. والبيت هو الهم المقيم لكل ساكن في تلك الأرض، وهو يسبق في الأهمية شراء البندقية أو الزواج على أهميتهما التي لا يماري فيها أحد في أرض تحكمها العادات والتقاليد القبلية التي أخذت تتراجع الآن مفسحة لحياة مدنية يحكمها القانون، كما أن الطرق سهلت نقل مواد البناء من المدن بما في ذلك الإسمنت والأخشاب المصقولة وحتى الأحجار، وأثر كل ذلك نسبياً على أساليب البناء، لكن الناس في العموم مغرمون بالطابع التراثي، وقد أصبحت القرى اليافعية أشبه بالمدن في كثافة عمرانها وتلاحمها، وخاصة في الهضبة العليا، ويمكن لمن يريد المزيد من التفاصيل العودة إلى بحث مطول نشرَتهُ مجلة (تراث) الإماراتية في عدد نوفمبر 2006 للباحث محمد محسن العمري.

التراث والتقاليد

يتمسك اليافعيون بتراثهم، فلهم لهجتهم الخاصة التي تميزهم، وكذلك خناجرهم التي تُصنع رؤوسها من قرن وحيد القرن (الصيفان) ومن العاج، بالإضافة إلى تحلّيهم بالعمائم. وفي الغناء فإن مدرسة الغناء اليافعي هي إحدى أربع مدارس في اليمن: الصنعاني، واللحجي، والحضرمي، واليافعي، وربما كان أشهر ممثل للمدرسة اليافعية هو الفنان يحيى عمر اليافعي، الذي اشتهر على مستوى منطقة الخليج وشبه الجزيرة شاعراً ومؤدياً ورائداً، وقد غنى له الكثيرون في سلطنة عمان والبحرين والكويت والسعودية، وهو في ذلك ينافس أبوبكر بن حسين المحضار ومطربه الأقرب إليه أبوبكر سالم بالفقيه.yafe36

يافع الزراعية

تشتهر يافع بزراعة البن، وهي المنطقة الوحيدة في ما كان يدعى جنوب اليمن التي تزرع هذا المحصول العالمي، كما يزرع فيها القات الذي ينبت في مناطق الجبال، وتقوم الزراعة فيها على المدرجات التي تعود إلى آلاف السنين، وتجدد من قبل السكان جيلاً بعد جيل، ذلك أن الجبال المرسلة بدون تدريج لا تحتفظ بالتراث ولا بالماء حين نزول الأمطار الغزيرة، ولذلك توجد شبكة بالغة الدقة لتوزيع مياه الأمطار، ولا تزال أسماء الكثير من الجبال والوديان – كما القرى والآبار – باقية منذ زمن الدولة الحميرية السابقة على الإسلام، ويمكن تمييزها بسهولة من تركيبها الجرسي. وفي المنطقة أودية متطاولة تشبه الأخاديد، نحتتها الأمطار والسيول عبر ملايين السنين، وأشهرها وادي يهر الذي ينسب إلى أحد ملوك حمير، وادي ذي ناخب، ووادي حطيب، وجميعها تصب في وادي بنا الذي يمضى في طريقه إلى دلتا أبني اليافعية وصولا ً إلى خليج عدن.

ويمكن اعتبار يافع منطقة واعدة سياحياً، خاصة بعد أن تكتمل شبكة الطرق الداخلية. وقد حوّلتها هجرة أبنائها الكثيفة وعودتهم إليها لتعميرها وإحيائها من الفقر إلى الغنى، وهذا قلص الزراعة إلى الحدود الدنيا كمصدر للرزق وجعل الهجرة الخارجية والداخلية هي المورد الإقتصادي الأول.

ومن زار اليمن ولم يعرّج على يافع فقد فاته الكثير من رؤية القدرات الإنسانية المجسدة في تطويع واستئناس الطبيعة.yafe37

وبعد…

لعليّ مدين في كتابة هذا الموضوع للشاب مبارك فضل اليافعي من منتسبي مجلة الشرطة، والذي سافر إلى يافع وصوّر مناطقها وعمارتها ومدرجاتها، ولذلك وجب له الشكر، فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله تعالى. ثم إنه قد تابعني حثيثاً لإنجاز الكتابة بتوصية من شيخ مشايخ مكتب الموسطة نقيب يافع الشيخ عبدالرب أحمد أبوبكر النقيب، فله كل الشكر والمحبة.


المقال المطبوع:
يافع اكثر من مجرد تاريخ وتضاريس

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s