صالح الدحان… قل للزمان

صالح الدحان
صالح الدحان

أختتم بزاوية اليوم التقاط بعض الومضات من حياة العم صالح الدحان، شيخ الصحفيين اليمنيين، الذي قال لي بالتلفون أنه “قاعَدَ” نفسه ليضرِب المثل لبعض أولئك الذين لا يترجّلون إلا كُرها، والذين لا يقرأهم الناس إلا صدفة على طاولات بعض المطاعم التي تشتري مرتجعات الصحف بالكيلو لفرشها تحت الطعام تسهيلاً لأعمال النظافة .

ذات مساءٍ شتائي أخذني العم صالح من يدي هو يقول لي: “تعال أعرفك على (الغوبة)”، وهي العاصفة التي تغيّب الرؤية، وتلف الأفق، أما المعني صاحب هذا اللقب الشهير فهو وزير الخارجية اللامع محمد أحمد نعمان، رجل الحوار، كما وصفه ميشيل أبو جوده حين أبّنه في جريدة النهار عقب مقتله برصاصة مجنونة في بيروت التي كان يشعقها، ويجد المجال فيها لمحاورة العقول اللامعة المتأملة في أحوال الأمة، والمتداخلة في قضاياها الشائكة.
عبرنا عدة شوارع من صنعاء قبل أن نصل إلى ذلك البيت البسيط المضياف، الذي تأمله ذات يوم فيما بعد وزير خارجية ليبيا المُختطف منصور الكيخيا فعلّق بالقول: “من محاسن العمارة اليمنية أنه لا يمكن إخفاء كاميرا في زخارفها”، وهو تعليقٌ محمل بالدلالات عن أوضاعنا العربية.

جلسنا إلى (الغوبة) الذي يشبه والده الزعيم الراحل أحمد محمد نعمان في سعة الأفق، وغزارة الثقافة، وتطويع اللغة المحكية وتجميلها بالشعر والأمثال، وقصّ التجارب والفكاهات. وقد التقيت قبل أيام حفيد الزعيم لطفي نعمان، فذكرني بعمه وجده، كأن الأمر نوعٌ من الإستنساخ.

كان العلم صالح معجباً أيما إعجاب بـ (الغوبة)، وبين الإثنين انجذاب عميق يضرِبُ في صميم الروح، وقد أصابني شيءٌ من ذلك مازال يعاودني حتى اليوم، ولقد أصابت تلك الرصاصات المجنونة – التي قتلت تلك الروح الشفافة وذلك العقل اللامع أناساً كثيرين منهم والده الذي علّق بحكمته البعيدة النظر بقوله: “إنني لا أبكي على محمد فقط، ولكنني أبكي على لبنان”، وما هي إلا شهورٌ قليلة حتى اندلعت الحرائق في لبنان ولمدة خمسة عشر عاماً لاحقة – قلب صديقي صالح الدحّان، ولا أظنه ذاق مسرّة حقيقية بعد ذلك أبداً.

قضينا أمسية لا أجمل من تلك التي لا يجود بها الدّهر إلا فيما ندر، ثم يعذّبك بها من الشوق والحسرة عليها:
قد يهون العمر إلا ساعة=وتهون الأرض إلا موضعا

أخذت أمنّي نفسي بأن التقاعد الذي منحه شيخنا لنفسه ليس سوى استراحة المحارب، فمع الخلوة إلى النفس – ولو كانت تلك الخلوة في بدروم – ومع التأمل، وخاصة في مدينة تعز – التي هي قصيدة عصماء في جمالياتها، وجبلها الجليل صبر، الذي زاره المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، فأمر ببناء استراحة أصبحت إحدى معالم المدينة، ليتمكّن الناس من رؤية ذلك الجمال الطبيعي الباهر – أقول إن هذا المناخ التعزي كفيلٌ بأن يقلق تقاعد العم صالح، ليعاود الكتابة التي هي العلاج الحقيقي لكل الآلام:
وما في طبه أني جَوادٌ=أضر بجسمه طول الجمام
وقل للزمان إرجع يا زمان…


زمن الإبداع الجميل

1 سبتمبر 2005

هاتفني الاخ الاستاذ خالد الرويشان -وزير الثقافة والسياحة- وأبلغني أن الوزارة ستقوم بتكريم الاستاذ صالح الدحان -شيخ الصحفيين اليمنيين- هذا اليوم الخميس، وسألني اذا كان من الممكن ان أساهم بكلمة في الحفل تتحدث عن جانب من حياة هذا الرائد الكبير والقلم الأنيق بحكم صلات العمل وأكثر منها صلات المحبة بيني وبينه، وكنت قد أشرت في مقال سابق ضمن هذه الزاوية الى التكريم المستحق للدحان ورفيقه الصحفي الكبير سعيد الجريك من قبل مؤسسة العفيف الثقافية التي لها يد طولى في تأسيس قيم اخلاقية واشاعة الافكار التنويرية في بلدنا، وهذا الأمر ليس بالغريب ولا الجديد على قامة مثقفة مثل الاستاذ احمد جابر عفيف، رائد التعليم وأحد أبرز الرجال الكبار الذين يحاولون بكل ما أوتوا من جهد الاطلال على المستقبل من خلال تأصيل الثقافة وإغنائها وهي أبعد العوامل أثراً في تكوين الهوية والاستدلال على النهج الصحيح للبناء والتنمية واندماج مكونات المجتمع.

وقد عبّرت للاستاذ خالد الرويشان عن الامتنان لهذه اللفتة الكريمة نحو علم من أعلام الصحافة في وطننا وقلت له إن هذا تكريم لكل حملة الاقلام العاملين في بلاط صاحبة الجلالة وفي الضواحي القريبة منها على تخوم الابداع، وكان صالح الدحان بين اوائل المبدعين في القصة، حيث نشر مجموعته «أنت شيوعي» في النصف الثاني من خمسينات القرن العشرين ووجدت أصداءً لا تزال تتلاجب حتى اليوم. وقبل شهر سألني أحد كبار المثقفين في الامارات (احمد راشد ثاني) عن صاحب تلك المجموعة التي لم تفارق ذاكرته ولا يدري كيف وصلت الى «خورفكان» في الامارات الشمالية النائية. قلت له: انه صديقي وأدرت رقم هاتف الدحان ليتحدثا عن زمن الابداع الجميل.

صالح الدحان قلم لا يتكرر ولا يقلَّد، فهو يكتب بمداد مشاعره «ماركة مسجلة» مصوراً كالرسام عالمه الداخلي، وما يجول في خاطره، وما يعنَّ له أثناء الكتابة لذلك فهو أوسع مدى من الرسام المحكوم باللوحة وبالشخوص، والدحان شديد الاحساس بقارئه يرفه عنه بالطرفة اللاذعة والمعلومة الطازجة وتلك اللغة التي تتبختر كالطاووس بألوانها الفاتنة ثم لا تلبث ان تحلق كالصقر مثيرة الفزع في أوساط الكتاب الذين ينقرون كالدجاج حبوباً قديمة وأخيلة سقيمة. صالح يكتب بعقل فنان تهمه الصياغات، فهو من مدرسة إمام الصحفيين العرب «الجاحظ» الذي كان قادراً على التقاط المفارقات والنسج عليها وإبراز أوجه الفرادة في تجليات الحياة، وهذا الاسلوب لا يضيع الحقيقة ولا يضيق بالمعلومة وانما يقدمها بصورة شخصية زاهية، وهذا لا يتأتى لأي قلم، فبجانب الموهبة التي هي هبة ربانية للموهوبين، هناك الثقافة التي تعب الدحان لتحصيلها وهناك التجربة التي قادته الى بلدان عديدة، وكذلك تأبيه على التأطير والحزبية الضيقة واحتفاظه في أقسى الظروف بمساحة من الحرية التي هي ضرورية كالاوكسجين بالنسبة للكاتب.

سبق ان كتبت عن صالح اربع مقالات تحت عنوان «صالح الدحان.. قل للزمان ارجع يا زمان»، وقد نشرت في جريدة «الايام» تحدثت فيها عن ذكريات حميمة ولطائف من حياة هذا الصحفي الكبير، الذي تعرّفت عليه عقب عودته من جمهورية الصين الشعبية، حيث كان يدرس الكادر الصحفي اصول الترجمة من الانجليزية الى العربية إبان الثورة الثقافية الكبرى، فقد كان لـ«ماو» واتباعه تلك الايام صحف مياسة باللغة العربية وكان زميله آنذاك الكاتب والروائي العربي الكبير (حنا مينا)، وقد شهدت لقائهما بعد افتراق في فندق الامباسادور في بغداد، حيث عمل صالح ردحا من الوقت في أجواء كئيبة.
تحية يا ابن الدحان لهذا التكريم الذي صادف أهله وشكراً للاستاذ خالد الرويشان صاحب اللمسات الجميلة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s