مَنْ غشَّنا فليس مِنَّا…

عدن تضجُّ بالحركة كسالف أزمنتها الذهبية التي كانت فيها عروس البحر وحُلم خيال الشُّعراء وواسطة العقد في التجارة الدولية وعُقدة المُواصلات في أعالي البحار، ولكنَّ ضجيج حركتها في زمانها وزماننا هذا كذلك الذي قيل عنه في الأمثال «أسمع جعجعةً ولا أرى طحناً» : الاستيراد الاستهلاكي لم يترك شاردةً ولا واردةً من البضائع الرخيصة التي تُرضي الجيب – مع أنَّ أغلب الهائمين على وجوههم بلا جيوب – ولكنَّها لا تُشبع الذوق ولا ترتقي إلى مقاييس الجودة، حيث «الإيزو» بالمرصاد لفرز الطيِّب من الخبيث والأصيل من «الفالصو»، أمَّا التصدير وإعادة التصدير الذي كان عصب الأسواق في ما غبر من الزمان الموؤود، فقد تلاشى وأصبح أثراً بعد عين بعد أن رأى جهابذة الاقتصاد العظام، الذين يفهمونها «على الطائر»، بعيداً عن وجع الدماغ حين كانت الاشتراكية تُستورد على هيئة أقراصٍ مضغوطةٍ وهُم في حالة هيجانٍ وغضبٍ وتربُّصٍ بالامبريالية العالمية التي ليست في عُرف ثقافتهم آنذاك سوى «نمر من ورق»، رأوا أن يذبحوا الدجاجة الذهبية التي تبيض الدنانير من العُملات الصعبة يومياً، وذلك لكي يحصلوا على الكنز دُفعةً واحدة، وكفى اللَّه الثُّوَّار شرّ القتال، وهذا ما كان، وعندما لم يجدوا شيئاً طار صوابهم فأمَّموا البرّ والبحر والجوّ، فكانت النتيجة أن توقَّف الفلك الدوَّار، ودار الفلك دار، وعزمت السفر، دار الفلك دار، فأخذ الناس الذين مادت بهم الأرض وضاقت بهم الأرزاق، وأصبح أمنهم غورا، يُبدِّلون بدارهم «ديرة غير ذي الديرة»، ومعمورة غير ذي المعمورة، على رأي عمَّنا المحضار.
أمَّا عدن الصابرة المُحتسبة المظلومة، فقد أطفأت فناراتها البحرية وولَّت وجهها نحو البرّ الكالح وأنظمة الشعارات المُفرغة التي تتابعت على مذابح الدم، ولا حاجة اليوم للبُكاء على اللَّبن المسكوب عقب (91) عاماً من دورة الفلك الثانية التي حاولت أن تُرمِّم ما لا يُرمَّم، لأنَّ البناء المنخور لا يُفيد معه سوى الهدم وإعادة التشييد من الأساس.
وإذ أقرأ اليوم توصيات مُؤتمر عدن الاستثماري أقول : ما أشبه اللَّيلة بالبارحة، فقد رزقنا اللَّه تعالى الكلام وحرمنا العمل، مع أنَّ درهم عملٍ خيرٌ من قنطارٍ من الكلام وأضغاث الأحلام، يدور الزمن ويتبدَّد الوقت ونحنُ نتحدَّث عن الإطار، وجمعه أُطر أو إطارات، فيما الصُّورة التي نسعى إلى تأطيرها غائبة، ذلك أنَّ البائع أشطر من المُشتري، ولو كان المُشتري في ذكاء إياس وإقدام عمرو ودهاء مُعاوية، فالبائع، وهُو هُنا المُستثمر، يقيس أُموره بالعوائد وبالتسهيلات وبمرونة ونظافة وانسيابية سير عمله المُنتظر، ولذلك فهُو يُعطي أُذناً من طينٍ وأُخرى من عجينٍ لكلمات القوالب الجاهزة التي تعني ولا تعني شيئاً، مثل : الموقع الجُغرافي، والماضي التليد، والمُستقبل السعيد، وننوي، ونعتزم، ونعمل على، وهُو كلامٌ لا بأس به ولا غُبار عليه، ولكنَّه يحتاج إلى جُملة : ثُمَّ ماذا؟ وماذا عن العام القادم والذي يليه؟ هل سنسمع الكلمات نفسها فنُصبح، وقد أصبح المُلك للَّه، وكأنَّنا يا بدر لا رحنا ولا جينا.
عدن تنتظر وهي تُؤمن بأنَّ اللَّه لا يُغيِّر ما بقومٍ حتَّى يُغيِّروا ما بأنفسهم، فسنونوةٌ واحدةٌ لا تُبشِّر بالربيع، ومُؤتمرات الاستثمار ليست ضيافاتٍ وأضواءً وتطبيلات صُحف، وإلاَّ فعلى الدُّنيا العفاء، وكُنتُ قد كتبتُ أمس في الموضوع، ويبدو أن صحيفتي الغرَّاء قد رأت أنَّني أُغرِّد خارج السرب، فحمتني من نفسي بعدم النشر يوم أمس، ولكنَّني أُقسم لها وللقُرَّاء أنَّني أقول الصدق، كُلّ الصدق، ولا شيء غير الصدق، وَمَنْ غشَّنا فليس مِنَّا، وسامحونا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s