زايد بن سلطان

مرّت أمس الأول الذكرى الخامسة لرحيل مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – رحمه الله تعالى – عن 86 عاماً، وذلك في الثاني من نوفمبر عام 2004، وقد احتفت مختلف وسائل الإعلام الإماراتية بالمناسبة وكرّست جانباً كبيراً من تغطياتها وتعليقاتها للذكرى بما يليق بمكانة الراحل الكبير الذي قاد باقتدار وحِنكة وحبّ مُفعم بالإيمان والثقة مسيرة النهوض وبناء الإنسان والتنمية الشاملة والاستقرار السياسي والاجتماعي، وجعل من الإمارات نموذجاً عربياً مضيئاً ورائداً على المستوى الإقليمي والدولي، وهو بعمله الدؤوب وبصيرته النافذة واعتناقه السِّلْمَ والموادعة والعمل الصّامت غير المتبجح قد تجاوز زعامات كثيرة ضاجعة لم تترك وراءها سوى الرّماد في طول الوطن العربي وعرضه، فأحرقت البشر والحجر وبدّدت الثروات وأضاعت الزمن الذي لا يقدّر بثمن، فأصبح الناس وأصبح الملك لله تعالى ليس على ألسنتهم سوى الشّعارات الجوفاء وفي جيوبهم الفقر وفي عقولهم الخواء، أمّا المستقبل الذي طرّزته نجوم الدعاية فقد أضحى حالكاً تنعق في خرائبه البوم، ولا يتبيّن السائر إليه يديه من رجليه.

لم يكن زايد من هذا الطّراز الاستعراضي القصير المنظّر فلم يتكلّف للنهوض بدور على مسرح السياسة يتجاوز إمكانيات بلده ومُعطيات واقعه والمتوازنات الإقليمية والدولية المحيطة والحاكمة، وبذلك أرسى الواقعية السياسية البناءة والمتفاعلة، والدبلوماسية النشطة القائمة على النّوايا الحسنة المعلنة، وقد التزم التزاماً صارماً بهذا النهج فلم يخسر صديقاً ولم يهيّج عدواً، وركّز همّه واهتمامه على ترقية شعبه علمياً ومعيشياً، ولم يبخل بكل غال ونفيس لتحقيق ذلك الهدف الذي يُعطي اليوم ثماره المرجوّة في كل المجالات، والذي يجعل الإحتفاء بذكراه احتفاء بالقيم والمبادئ والتبصّر الحكيم والسّلم الأهلي، ومدّ يد العون بقدر المستطاع لأمته وللإنسانية. وليت الزعماء العرب على اختلاف مشاربهم يتأسّون بهذه السيرة المضيئة التي تجمع ولا تفرّق، وتنمّي ولا تبدّد وتُسعد ولا تشقي. إن الأسس التي بنى زايد عليها كيان الإمارات بالتراضي بين الإمارات السبع وحكّامها قد أثبتت فاعليّتها الفائقة في التنمية المتوازنة والعدل الاجتماعي، فالحكومة الإتحادية تتولى الشؤون السيادية والرّعاية التأسيسية لعموم الشعب، فيما تتولى الحكومات المحلية شؤون مناطقها وتنظّم قوانينها وتنمّي ماليتها وتعمل على المنافسة والتفوّق، حيث أصبح خيار التقوقع والتخلف مرفوضاً من الحكام ومن الشعب بعد أن اطمأن كلّ إلى مالَهُ وما عليه بلا ضرر ولا ضرار وبلا استغوار أو استئثار، ففي المجلس الأعلى للإتحاد تتساوى الإمارات لا فرق بين صغير وكبير ولا غني ولا فقير، حيث يجري تداول القرارات والإجماع عليها، وغالباً ما تتم العملية بسلاسة لا تشوبها شائبة من الأنانيات العربية المعروفة، أو المكايدات السياسية الممجوجة، أو الشخصنة المقيتة، وفي كل إمارة على حدة يعمل الشيوخ وأدوات الحكم المساعدة على النهوض بإمارتهم وليس لديهم من خيار سوى السّير الحثيث إلى الأمام لأن المنافسة نحو الأفضل والأرقى والأكثر انضباطاً تلهب بسياطها ظهور الجميع، وهذا قبسٌ من عبقرية زايد الذي راهن على الزمن وعلى الخير في نفس الإنسان فكسب الرهان بعد أن أشاع الإطمئنان، فهو لم يكن طالب سلطة بأي ثمن رغم أن إمارة أبوظبي تمثل 80% من مساحة الإمارات وتحوز 80% من ثرواتها البترولية، وقد جعل من نفسه وإمارته النموذج الأول للعطاء الأخوي والرعاية الأبوية وعلى نهجه سارت دبي بعد أن اشتدّ عودها وتمرّست بآفاق التجارة والسياحة والعمران، وكذلك حال الشارقة ورأس الخمية وعجمان وأم القيوين والفجيرة: {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. كذلك يضرب الله الأمثال} صدق الله العظيم. واسمحوا لي أن أنهي بأبيات من قصيدة للمناسبة نَشَرَها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم تحت عنوان (أنوار زايد):

أي  نورٍ  ذاك الذي قيل iiغابا
أشهابٌ  لا  بل  يبزّ  iiالشهابا
هو  شمسٌ لا تنطفي هو iiنبع
جاد   مغناه   ريّقاً   مستطابا
كيف  للبحر  أن يغور iiعطاه
للسحاب  الذي  يروّي السحابا
زايد   المجد  والعلا  iiوالأماني
والأساطير    تبهر    الألبابا
زياد   ليس   قصة  في  iiكتبا
بل محيطٌ ضد ضمّنون الكتابا

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s