تذكرة داؤود

داؤود هنا ليس النبي الملك الذي قال الله تعالى عنه {وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب}، وإنما هو العلامة داؤود الأنطاكي، أشهر وارث للطب العربي، ومجرب ومبدع ومؤلف فيه، ولد في أنطاكية عام 250 هجرية، وقام برحلات إلى دمشق وغيرها من بلاد الشام، ثم استقر به المقام في القاهرة، وكتابه (تذكرة أولي الألباب) المشهور بإسم (تذكرة داؤود) يعد مرجعاً نفيساً للطب العربي، جمع فيه فأوعى، واستخلص مادته من أكثر من مائة مرجع عربي وأعجمي، ليصبح موسوعة تغني عن الرجوع إلى ما كتبه الأقدمون، إضافة إلى أن داؤود قد قام بصنع عديد من الوصفات، وجربها، وأتت بنتائج باهرة. والتذكرة كتاب ضخم، يصل مجموع صفحاته إلى 648 صفحة، وقد قسمه إلى ثلاثة أجزاء، كل منها كتاب كاملٌ بمفرده، في الجزء الأول فصّل ما يزيد على الثلاثة آلاف نبات وعشب، مرتبة حسب الحروف الأبجدية، وخصص الجزئين التاليين للوصفات الطبية، ومعالجة الأمراض المختلفة، وهي أيضاً مقسمة تبعاً للحروف الأبجدية، ويقول في التذكرة “إننا ننتخب لب كتب تزيد على مائة في علوم الأدوية والعقاقير، ومن هذه الكتب ما وضعه محمد بن زكريا الرازي، والحسين بن عبدالله بن سينا رئيس الحكماء والأطباء في عصره، ومفردات ابن الأشعث، وأبي حنيفة، والشريف، وابن الجزار، والصائغ، وجرجس بن يوحنا”. وأجل هذه الكتب الموسوم بـ (منهاج البيان) صناعة الطبيب يحيى بن جزلة، كما عاد إلى البيروني في الصيدلة، وابن مأمون في شرح أسماء العقد، وإسحاق بن حنين الذي عرّب اليونانيات والسريانيات، وولده حنين الذي سار على نهجه، ومن مؤلفات الأعاجم اندروماكس الأصغر في (الترياق الكبير)، ثم رأس البغل المقلب بـ (جالينوس)، وهو غير الطبيب اليوناني المشهور الذي درس داؤود كتابه (العقاقير البسيطة)، وكتاب (كناثة الطب) للراهب السكندري أهرون. واللافت أن داؤود ألف التذكرة وعمره 26 عاماً في حالة من حالات النبوغ المبكر، والإستعداد الطبيعي، والموهبة الفذة، وله أيضاً (البهجة والدرة المنتخبة فيما صح من الأدوية المجربة)، و (غاية المرام في إصلاح الأبدان).

ومن نصائح التذكرة أنه لا يجب إدخال الطعام على الطعام قبل الهضم الأول، ولا يجوز ملء المعدة حتى تسقط شهوة الطعام، ويجب على من وثق بنقاء بدنه ألا يتناول طعاماً حتى تشتهيه معدته، وينقل عن أبقراط أبي الطب: “بالغ في الدواء ما أحسست بمرض ودعه ما وثقت بالصحة”، وعن جالينوس: “من قلل مضاجعة النساء واجتنب الأكل عند المساء، ولم يقرب ما بات من الطعام، أمن مطلق الأسقام، ولا تأكل ما يورث الهضم العناء، تأمن من الأذى”، ويضيف داؤود: “المعالجة بالدواء الواحد خيرٌ من المعالجة بالمركب، والمعالجة بالدواءين خير من الثلاثة”.

ونقل عن ابن سيناء: “إذا دخل الدوء الجسم ولم يجد مرضاً يفتك به فتك بالصحة”، ومن نصائح داؤود أن شرب الدواء بما بارد يمنع الغثيان، وتقطير دهن اللوز في الأنف يساعد على النوم، وشرب الزنجبيل بالماء في البرد الشديد يدفع ضرره، ويؤكد أن التوتر والقلق يفسد الدم مثل العشق ومحبة الأموال والرياسة تفسد الدم والهضم، وتورث مفاسد لا تحصى.

أشير إلى كل ذلك لأن هناك في العالمين العربي والإسلامي عودة إلى الطب القديم، بعد أن تأكد العديد من مخاطر الأدوية الكيميائية، إضافة إلى غلائها الذي يحول بين الفقراء وبين الإستفادة منها، ولعل الصينين والهنود – وهما الأمتان الناهضتان في زمننا – هما أكثر الشعوب التي لم تفلت موروثها القديم، ومن ثم أخضعته للتجارب والتطوير، بشروط العلم، وبالنسبة للعرب – الذين حذقوا الحجامة والكي وخصاص الغذاء وفوائد الأعشاب – فإن الملاحظ كما هو الحال في الكثير من أمورنا وهمومنا أن الصوت العالي هو لغير ذوي العلم والإختصاص والتقوى، وهؤلاء ضررهم أكثرمن نفعهم، ومن أسباب ذلك أن الحكومات لم تضع الإشتراطات، وتحدد المستويات، وتطارد الدجالين والمشعوذين ممن اتخذوا من المهنة وسيلة لجمع الأموال وصرف الناس عن الطب الحديث، الذي أصبح ذا صفة عالمية عابرة للقارات، وبذلك يجعل المشعوذون من عملائهم مضطربي القارر بين ما يسمعونه وما يعانون، وما يحصل لهم من المضار والأكدار، لأنه “لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون”.

وقد دَخلت إلى هذا المضمار – الذي كان العرب يعدونه أشرف العلوم وأقدسها – محطات الإذاعة والفضائيات التي تمكّن كل من هب ودبّ من قول ما يريد، والتلبيس على الناس دونه وازع من ضمير… المنافسة الإعلامية عبرت حدود الأخلاق إلى الكسب الرخيص، وبدلاً من توعية الناس بما يضر وينفع أخذت هذه الوسائل تبيع للناس أهواءهم، وقلة علمهم، فأصبحت تابعة لا متبوعة، كأنما تقول لمتابعيها: هذه بضاعتكم ردت إليكم. كم نحن بحاجة إلى أن نؤسس على القاعدة المتينة التي أرساها العلماء المسلمون الأفذاذ، بشروط العصر، وباستخدام مناهج العلوم والمختبرات، وأن يتم بدون رحمة طرد تجار السموم من عالم الأعشاب والوصفات… والله من وراء القصد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s