خطاب ولا أروع

سيدخل خطاب القسم لباراك أوباما تاريخ البلاغة المنبرية من أوسع أوابه فقد جمع وأوعى، وكان من الوضوح والإحاطة وقوة التأثير ما يسلكه في عداد السهل الممتنع الذي تقترن البداهة فيه بالدهشة والإبتكار بقوة المرجعية وأصالتها والخيال بروائح التاريخ وأساطيره ودهاقنته وإصابة الهدف بصورة قد يقول القائل إنها “رمية من غير رام”، ولكن المنصف لا يجحد فضل صفاء الرؤية في صفاء الكلمة والتعبير، لأن النبعين: الرؤية في الباطن والتعبير في الظاهر، لا يمكنهما التعكير على بعضهما إلا لدى أولئك الذين نتعنون الكذب، ويتعنتهم الصدق من الذين يقولون ما لا يفعلون، فهم أميل إلى التلبيس والغموض والطنطنة الفارغة، وهم يشبهون اللصوص الذين يحرصون على تصفية آثارهم حتى يلفتوا من يد العدالة بتضارب القرائن وتناشز البصائر وعدم إحكام أغطية الكلام على أوعية المرام.
خطاب باراك حسين أوباما استعرض منهجاً للعالم وليس لأمريكا وحدها، وكان بذلك في حجم بلده وتأثيره فالكبار تكبر بهم الأوطان، وأما الصغار فيقزمونها بالسياسات التعسفية والرؤى المريضة والتستر وراء أسواء الأسرار التي تنعدم معها الشفافية، إضافة غلى اعتماد منهج التخويف والإنتقام سبيلاً مختصراً لتسجيل انتصارات آنية لا تلبث أن تتلاشى كالفقاقيع فتصيح عبئاص على قائلها تقض مضجعه كما فعل جورج بوش حين أعلن انتهاء الحرب في العراق، وهي لما تبدأ – كما تبين فيما بعد – فأصبح موضع تندر ومثار سخرية “كأنه علم في راسه نار”، وقد ندم ولات ساعة مندم، فقدم اعتذارات واهية، وتفسيرات لاهية، كالمريب الذي يكاد يقول خذوني، وطبعاً لم يعدم من يصفق لشجاعته بالإعتراف بالذنب، من قبيل منتفعين أمثال كوندوليزا رايس أو نائبه الممرور ديك تشيني، وكان كلامهم بالنسبة للإعلام اليقظ والإعلاميين المتمرسين بالنصوص ودخائل النفوس كمن يبيع الماء في حارة السقائين.
لم يفت أوباما تلمّس جراحه الغائرة التي تصالح معها بعد أن تصالحت أمريكا مع روحها، فكانت إشارته غلى أن من يؤدي القسم كرئيس لأعظم دولة في العالم، كان والده قبل 60 عاماص فقط يمنع من دخول بعض المطاعم المخصصة للبيض ويمتنع الندل عن خدمته، كما لم ينس الإشارة إلى قرية والده في كينيا، لأنه كان يشعر عميقاً أن الناس البسطاء على بعد آلاف الأميال يحتفلون به كرمز للعالم الجديد والأخوة الإنسانية المنتظرة التي عاثت فيها الثيران البطرانة وفقاً للمثل اليمني “خس البقر خنبق الماء”، والخنبقة هي التعكير العامد المتعمد لصفو المياه لكي يشرب من يأتي من بعد رفقاً، أو كما عبّر عمرو بن كلثوم:
ونشرب إن وردنا الماء صفواً=ويشرب غيرنا كدراً وطينا
وهكذا هم بعض الساسة من مدرسة لويس الرابع عشر الذي قال: “أنا ومن بعدي الطوفان”، أو كما عبر أبو فراس وإن لم يكن يقصد حق الحياة وإنما حق القلب:
إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر
أقول: إن الساسة يخنبقون صفو الحياة السياسية لأنهم لم يجدوا من يقول لهم: “لا كفى… كان الخطاب جلداً قاسياً للإدارة الراحلة دون تسميتها… وذلك بمخالفة سيرتها بنداً بنداً وفاصلة فاصلة، وتحميلها بدبلوماسية ماكرة هذه المآلات المفجعة للإقتصاد الأمريكي وللبنى القانونية التي انتهكت بفظاظة، وكذلك الغدر بالمل العليا المهلمة بتعفيرها بوحل العناد والمكابرة، حتى أصبح الزمان البوشي كما قال أبو الطيب:
قبحاً لوجهك يا زمان فإنه=وجه له من كل قبح برقعُ
نشذد على يدي أوباما، وننتظر الفعال بعد المقال، فمنا ينتظره ليس أقل من حرب بل إن محاربة هوى النفوس أم جميع الحروب المنتصرة:
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا=فأهون ما يمر به الوحولُ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s