تاريخ التاريخ

القتل هو تاريخ التاريخ في الوطن العربي، المنبطح من الماء إلى الماء بين نارين أين منهما جهنم الحمراء {يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد}. وثقافة القتل هي أم الدساتير وتاج التشريعات والطريق السالكة إلى السلطة والثروة، وما عداها هو مجرد مسوغات ومحسنات بديعية، وتخريجات كهنوتية، وريش شعائرية تلصق بالعمائم أو تتدلى من الصدور أو تحمحم من فوق الرؤوس التي أينعت وحان قطافها كما أفصح الحجاج علم الأعلام والذي تأتم الهداة به “كأنه علم في رأسه نار” على حد قول الخنساء في أخيها صخر.

وكان الزعيم الراحل طيب الله ثراه الأستاذ أحمد محمد نعمان يرفع شعار، هادن ثم هادن، ولما استوضحته ذات يوم أجاب دون تصريح:

ولو كان لي رأسان جدت بواحد … ولكنه رأس إذا راح أعقما

واذكر أن زعيماً عربياً بنى مجده على الجماجم ثم طارت جمجمته، وقف ذات يوم يخطب حول مؤامرة مزعومة، حيث كان خياله خصباً في استيلاد المؤامرات للتلذذ بالدم، فترجع صوت من القاعة سيدي إن فلاناً القابع في السجن هو وراء كل هذه المؤامرات، وما دام حياً ما راح نخلص، فمد الزعيم يده الكريمة ثم مسح على شاربه الكث بأصابعه وأقسم بشنبه أن الصباح لن يشرق على ذلك الفلان، وكان ذلك الفلان المجهول من مشاهير حزبه ونجمهم اللامع ثقافياً، وكان محكوماً يقضي فترة حكمه، وفعلاً أجهز عليه وذبح كما تذبح الشاة، إنها ثقافة القتل لا أكثر ولا أقل.

ثقافة القتل ما ظهر منها وما بطن هي التي تصيب العقل العربي بالشلل، وتصحّر الإبداع، وتمنع الحراك الطبيعي، وتحيل الديمقراطية إلى مسخرة، والقانون إلى كرة شراب بيد أقدام أطفال كبار، بل إنها تحيل البشر الذين هم ملح الأرض إلى أشباح يسيرون {سكارى وما هم بسكارى}.

لعل البعض يتذكرون حين عاد الإمام أحمد حميد الدين من رحلته الاستشفائية إلى روما وعبر قناة السويس معتذراً عن النزول إلى أرض مصر لأنه لا يستطيع السير، فصعد لتحيته إلى الباخرة الرئيس جمال عبدالناصر، فسلم عليه الإمام وهو جالس على الكرسي بالحجة نفسها، ولكنه لما وصل إلى الحديدة دبت فيه العافية حتى بلغت ذروة العنفوان، فخطب متوعداً ومهدداً بالويل والثبور وعظائم الأمور، وقد تحدى الناس المذعورين من هول الخطب قائلاً هذا السيف وهذا الميدان، ومن كذب جرّب.

وكان قد نما إلى علمه أن تحركاً قبلياً عسكرياً قد حدث أثناء غيابه، وكان ما كان بعد ذلك من قطف للرؤوس، وكان الشيخ حسين الأحمر والد الشيخ عبدالله وأخوه الأكبر حميد من بين تلك الرؤوس التي طارت. وقصص القـتل في اليمن الإمامي ليس لها أول ولا آخر، وكان (الوشاح) قطاع الرؤوس في شهرة الإمام نفسه، وربما زاد عليه (وقية)، وقد استوحى الشاعر الخنذيذ – على حد التعبير الأثير للأستاذ أحمد محمد الشامي – أبو الأحرار محمد محمود الزبيري هذا المشهد الدرامي في قصيدته شبه الوداعية قبل مقـتله الآثم فقال:

هذا هو السيف والميدان والفرس … واليوم من أمسه الرجعي منبجس

والبدر في الجرف تحميه حماقتكم … فأنتم مثلما كنتم له حرس

واليوم نرى ونتيجة لاستمرار القتل على أرض العروبة المنكوبة أن جماعات تكفيرية وإرهابية ودموية قد استحلت قتل النفس التي حرّم الله تعالى، وأصبح العربي المسكين لا يدري إذا خرج هل سيعود، وإذا نام هل سيصحو، وإذا طلب الرزق على أبواب الله هل سيهنأ باللقمة، إنه على حد قول الشاعر:

كنعجة تضحي وتمسي … تداول بين أخبث ذئبين

ولا حول ولا قوّة إلا بالله

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s