أبن بطوطة الصيني

يتحدى النمو الصيني العالم، يغير تراتبية الإقتصادات الفعلية المستقرة، لتصبح قلقة مصابة بحمى المنافسة التيغالباً ما تخسرها أمام التنين الذي يشرب الطاقة كما تشرب الأرضى العطشى مياه الأمطار، ويلتهم المواد الأولية كما تلتهم الضواري ذوات الناب ضحاياها، ويكتسح الأسواق اكتساح العاديات ضبحاً، الموريات قدحا، المغيرات صبحا، للمطمئنين الوادعين النائمين رافعاً شعار “قلل سعرك تكسب ذهباً”. وستلهم لاتجربة الصينية لارائدة في النمو شعوباً كثيرة لديها فوائض سكانية عاطلة ومعطلة، ولديها موارد تغط في نوم عميق منذ أبينا آدم عليه السلام، ولديها أحلام من جنس أحلام اليقظة، تلهيها ساعة من نهار قبل أن تجأر مرة أخرى بالشكاء والبكاء على اللبن المسكوب. مواكب الإستثمارات، وأفضل العقول، وأدق الصناعات العالمية تتجه اليوم إلى أرض الأحلام في الصين، لتشارك من هناك في غزو العالم غزواً ناعماً ملفوفاً بورق (السوليفان) المصقول والمزين بالألوان، لدرجة أن المستهلك الغلبان يجد أن قيمة بعض السلم لا تتجاوز قيمة الأغلفة الملفوفة بها، لأنه إذا كانت الرأسمالية الجشعة تطمح إلى سد حاجات الأثرياء بأغلى الأسعرا، فإن الصين قد وجدت أن غالبية سكان الالم من الفقراء ومتوسطي الدخل هم سوقها الكبير الذي لا يجد منجم الذهب الذي لا ينضب.
يبلغ عدد سكان الصين أكثرمن 1.3 بليون نسمة، وفي تقديرات موازية 1.5 بليون، وهذا الإختلاف التقديري الرقمي وحده (200 مليون نسمة) يعادل سكان كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مجتمعة.
ويقول (تدفيشمان) مؤلف كتاب (الصين شركة عملاقة) والذي صدر عن مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم ضمن سلسلة (كتاب في كبسولة): “إن الحكومات حول العالم تواجه معضلة ثنائية الأبعاد، فهناك من ناحية السلع الرخيصة التي ترسلها الصين للمستهلكين، مما يساعد على رفع مستويات المعيشة وإشباع الطلب، ولكن ذلك يتسبب من ناحية أخرى في إغراق الاسواق المحلية لتلك الدول، الأمر الذي يضر بالصناعات الوطنية، ويؤثر سلباً على الإقتصادات القديمة، ويتلطب حل معضلة (التصيّن) – وفقاً لمنظره الكثير – من الحكمة والموازنة، فبين الإشباع والإغراق حار الحكماء والوزراء والخبراء.
ولا يظنن أحد أن المسألة تقليد، مع أن الطفل قبل أن يشتد عوده يبدأ بالتقليد قبل أن يصل إلى الإبتكار، وهذا من السنن في كل شأن، بما في ذلك الصناعة، ولكن الأمر في الصين قد اختلف تماماً، وعلى سبيل المثال فقد استثمرت بكين في العام الماضي أكثر من 60 بليون دولار في مجال البحوث والتطوير، وتخرّج الجامعات الصينية من المهندسين فقط 523 ألفاً كل عام، والإقتصاد الصيني منذ أن بدأ لاإصلاح قبل 25 عاماً ينمو بمعدل سنوي رسمي يبلغ 9.5%، وما خفي أعظم، وهذه متوالية هندسية وليست عددية، وهي مثل الأرباح المركبة التي تتسلط من خلالها البنوك الربوية على مداخيل الفقراء المتعطشين إلى القروض، مع الفارق.
إن مدد العمالة الرخيصة والمدربة جيداً لا ينقطع من الأرياف الصينية إلى المدن الزدهرة، في أكبر حركة هجرة عرفها التاريخ، حيث من المتوقع أن يستقر نصف سكان الصين في المدن بحلول عام 2010م، في صورة وصفية للطريق إلى شنغهاي… تمتلئ الإتجاهات بالأكشاك الخاصة التي تم إنشاؤها في ظل الإنتاج، ويمتد نشاطها من بيع الإبرة إلى الصاروخ، فهي تبيع الطعام الساخن والمشروبات، مروراً بالأسمنت والخزف ومعدات السباكة، ووصولاً إلى مواد البناء اللازمة لإنشاء القصور…
خيال… اين منه ابن بطوطة؟!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s