البردوني

الاستاذ فضل النقيب مع الشاعر عبدالله البردوني
الاستاذ فضل النقيب مع الشاعر عبدالله البردوني

كان البردّوني واحة للفرح، أنشودة مغرّدة في فم الزمن، ينثر المحبة حيثما سار، كأنه مكلف بإسعاد الناس، وفي أصعب مراحله لم يخامره اليأس أو التشاؤم، ولم ينصرف عن حب الحياة يعبّها عباً، كأن كل لحظة من لحظاتها هي الأخيرة. وأمْيَزُ ما في ذلك الرائي الاستثنائي تلك الضحكة المجلجلة المليئة بالأجراس، والمصحوبة بالحكايات والاستشهادات والسخرية المرحة من الأحياء، لا لتشويههم، وإنما لابتعاثهم بعثاً جديداً، لا يثقل الحياة، ولا ينغص تدفقاتها الجميلة.

كان إحساسه يتركز في الحضور الطاغي لجوّانيته في برّانيته، ولذلك كان يعيد رسم دواخله على مدار ساعات اليقظة والنوم مركزاً على الأصداء العائدة إليه من كل من وما حوله. كان يدندن نفسه لنفسه قبل أن يبعث بها إلى محيطه، ودائماً يترك قدراً من سحره في نفوس مشاهديه ومحاوريه ومناوئيه وعشاقه لا يمّحي ولا تحول ألوانه:

من ذا يناديني أحس نداءه
يعتادني  فيحملني iiأصداء
خلفي وقدامي ينزنبق iiدفئه
وينرجس اللفتات iiوالإغراء
فأشدّ أنفاسي وأعراقي iiإلى
فمه وأغزل من شذاه iiرداء


هذه الحميمية البردونية كانت تضيء طريقه إلى الناس، ومع إعجابه بالمعرّي وطه حسين كتجربتين حياتيتين تشبهانه إلاّ أنه لم ينزع نزوعهما في الشك ووضع الحياة موضع السؤال، فقد منعته الينابيع المتدفقة من داخله من تمني وقف ذلك التدفق، لأن الوديان التي حملها والأشجار التي يتغطى بها والسحب التي يستظلها ستقبض على قلبه بما لا يطيق، لذلك ينسى أن يموت رغم حاجته لذلك الموت:

تمتصّني أمواج هذا الليل في شره صموت

وتعيد ما بدأت وتنوي أن تفوت ولا تفوت

فتثير أوجاعي وترغمني على وجع السكوت

وتقول لي مت أيها الذاوي فأنسى أن أموت

إذاً هي صناعة الحياة من نسيج الموت، إهداء إلى الناس ما لا يستطيعون إهداءه لأنفسهم، فالمبدع مُبتلى بإبداعه، في اهتدائه واتّباعه، ومسؤولياته تتعاظم مع ازدياد وعيه وإحساسه بقتامة الحياة دون أمل:

لكن في صدري دُجى الموت وأحزان البيوت

ونشيج أيتام بلا مأوى بلا ماءٍ وقوت

وكآبة الغيم الشتائي وارتجاف العنكبوت

وأسى بلا إسمٍ، واختناقات بلا إسمٍ أو نعوت

لاحظ اللوحة التي تعجز عصابة من الرسّامين عن الإحاطة بأبعادها أو تجسيد مناخاتها، فقط عبقرية اللغة ورضيعها الشاعر المرهف يعيدان إنتاج الحياة لتكون خالدة في الفن:

من ذا هنا؟ غير الأسامي الصفر تصرخ في خفوت

غير انهيار الآدمية وارتفاع البنكنوت

وحدي ألوك صدى الرياح وأرتدي عري الخبوت

رحم الله البردوني، وشكراً لاتحاد الأدباء على إضاءة منارته الهادية كل عام.


2

كان البردوني أستاذاً في الوطنية المقتحمة المقاتلة، جيوشه الكلمات وطبوله الأوزان وراياته تدفقات الوجدان، وطنيته تجاوزت المناطق والقبائل والمذاهب واللهجات، كأنه المعني بقول (المعرّي):

فلا هطلت عليّ ولا بأرضي
سحائب  ليس تنتظم iiالبلادا

أحب اليمن واليمنيين حب الإعرابية التي سُئلت عن أحب أولادها إليها فقالت: “الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يشفى، والغائب حتى يعود”. والوجه الآخر لمعنى المعنى أنه حين يكون الجميع في أفضل حالاتهم فإن عاطفتها كما هي حال عواطف أستاذنا البردّوني ستظلل الجميع بالرعاية المتساوية.

إنجازات وطنية البردّوني إلى المستضعفين من الناس ضحايا الإهمال والجشع واختار أن يكون بينهم قاتلاً أو مقتولاً، منتصراً أو مهزوماً، وكان بنشيده أشد هؤلاء على المستكبرين العابثين من السيوف المصلتة والرماح الناشبة، لم يتخف خلف سجون الغموض، لم يتلجج في ساحات العروض، لكأنه المعني بقول (طرفة بن العبد):

إذا الناس قالوا من فتى خلت أنني
عُنيت   فلم   أحجم   ولم   iiأتبلد

حيا الله ذاك الزمان، حين كانت العواصف تهب من كوخ البردّوني المعدم لتقلق منامات سكان القصور العاكفين على ملذاتهم مع ربات الخدور، وكان الشاعر أشجع من رفع سؤال: من أين لك هذا؟ وبأي ذنب يتكفف الشعب قوت يومه وأنتم تسبحون في النعيم… وقد كتب قصيدته التي تصادت في القرى والحضر (نصيحة سيئة):

إن تريدين سيارة وإدارة فلتكوني قوادة عن جدارة

ولتكوني عميلة ذات مكر تشربين القلوب حتى القرارة

ولتبيتي في سرير كل وزير ولتمني من في انتظار الوزارة

وبهذا النشاط تمسين أعلى من وزير… وربما مستشارة

هذه شظية من متفجرات ثورات عارمة اجتاحت البردّوني واكتسحت أشعاره كالطوفان، وخاصة في سبعينيات القرن الماضي حين التبست أمور كثيرة وضاعت البوصلة، وعُميت الرؤية، فأصبح الكثيرون كالمجرّدين في كهوف الليل من ملأ خرجه بالجراد تسلل إلى بيته، “ويا روحي ما بعدك روح”، عقب فترة من التضحيات السبتمبرية المهولة بالدماء والأرواح والمعيشة، وهو ما كان يبشّر بولادة جديدة لشعب عريق، ذلك أن النيران التي تنقي خبث الحديد وتفولذه هي أيضاً من ينقي تراكمات سلبيات العصور التي تجعل من الشعوب أشباحاً لا آدميين، وقد حمل الأستاذ لافتته الترحيبية أو اللاترحيبية (سيّان) على طريق العيد العاشر لسبتمبر:

أيها الآتي بلا وجه إلينا لم تعد منا ولا ضيفا لدينا

غير أنا… يا لتزييف الهوى نلتقي اليوم برغمي رغبتينا

سترانا غير من كنا كما سوف تبدو غير من كنا رأينا

أسفاً ضيعتنا… أو ضعت من قبضتينا يوم ضيعنا يدينا

بدت أشعاره في تلك المرحلة كمن يحاول جاهداً متأملاً أو يائساً متألماً أن يفجر الينابيع من الصخور الصمّاء، وأن من الحجارة لما يتفجر منه الماء:

بلدنا كانت وأبطالنا كانوا رجالاً قبل أن يحكموا

يُقال: كانوا فهماء الحِمى واليوم لا ينوون أن يفهموا

ثاروا صباح القصف لكنهم يوم انتصار الثورة استسلموا

كم نفتقدك يا عبدالله…


3

كان البردوني مثقفاً موسوعياً مغروساً في جذور الموروث العربي بكل ألوان الطيف فيه، وعلى صلة عظيمة حميمة بالحداثة العربية عبر التواصل المعرفي بالفصحى، وبالعامية عبر الأعمال المترجمة التي كان يحرص على سماعها والإحاطة بآفاقها من خلال ذاكرة شديدة اللمعان من التوهج، حيث لم يكن متلقياً سلبياً، فقد كان المنظر النقدي أحد وسائله المميزة في التفاعل مع المعرفة، ويمكن لناقد حصيف صاحب مجسات حساسة أن يستكشف ثقافة البردوني وإضافاته في أكناف شعره وتوترات نثره، وتلك الإسهامات التاريخية والنظرات الاجتماعية والقراءة الوثابة في تحولات المجتمع ومراياه المتقابلة.

ليس بين يدي الآن ما يضيء قراءات البردوني ومحتويات مكتبته، ويبدو أن الفرصة أمام الدارسين لا تزال قائمة لسبر أغوار حقوله المعرفية وجمع شهادات عنه وعن مجايليه. وقد زرته مراراً في منزله فكانت رائحة الكتب أول ما أواجهه أمامه وحوله وفي دواخله وتضاعيف حديثه، فهو – رحمه الله تعالى – أشبه برادار يمسح الفضاء الثقافي ويحدد مسارات الحركة لكل ما يدخل أو يخرج من هذه الأجواء، لأن من طبعه التحدي، فقد كان لا يحتمل أن يُشار في أي مجلس أو محفل إلى أمر أو موضوع أو شخص مميز في الحياة الإنسانية وهو لا يعرف عنه شيئاً، باختصار كان منذوراً للعلم وللدرس وللاجتهاد، بقدر انشغاله بممارسة الحياة وترك بصماته على كل شاردة وواردة تمر بشعبه ووطنه. وكان له في ثقافته الموسوعية وتجلياته العبقرية خير مُعين على إعادة انتاج الحياة والثقافة عبر (الفوضى الخلاقة) في أدبه ومعاركه التي إن لم تحتدم في خارجه احتدمت في دواخله الموّارة الفوّارة الشاغلة للأحياء، ذات الدوي القادم من صخب عالم المتنبي ونزاله للزمان:

وتركك  في  الدنيا دوياً iiكأنما
تداول سمع المرء أنمله العشرُ

روى لي انطلاقته التي أخذت بالأسماع والأبصار من خلال مشاركته في مهرجان (أبي تمام) 1972م في موصل العراق، وكيف أنه كان يستشعر الترف الشعري والاسترخاء الذهني ونضال المبدعين من منازلهم بعيداً عن النار والأشواك ووعورة الطريق، فلما اقتاده مرافقه إلى المنصة من آخر القاعة وأكثر الموجودين لم يسمعوا به من قبل ومن باب تحصيل الحاصل أنهم لم يروه، في الوقت الذي كان فيه قد توهج في اليمن، ولكن اليمن بأسرها كانت منطفئة في العالم العربي آنئذ إلا من ترجيعات الحرب عبر الإعلام المصري، وما كان للعروض الدعائية الزائفة من تقارب الثقافة والخزين الحضاري لشعب عريق تجلت عبقريته في شاعره.

يقول: “مررت بين الصفوف، وضحكات الاستهزاء والتعجب من أسمال هذا الأعمى القادم من مجاهل العصور ترن في أذني، فلا تزيدني إلا ثقة في النفس واعتزازاً بما أحوز من الينابيع، فلما وصلت إلى المنصة، صمت هنيهات ثم قلت: “والله لأزيدنهم نفوراً”، فأخذت أتمخط بكم ثوبي، فانفجرت القاعة بالضحك كأنما يقولون لي: هات ما عندك وامض في سبيلك…” هناك بدأ البردوني بإلقاء قصيدته الشهيرة (أبوتمام وعروبة اليوم) ومنها:

حبيب  وافيت  من  صنعاء iiحملين
نسرٌ  وخلف  ضلوعي يلهث العرب
ماذا  أحدّث  عن  صنعاء  يا iiأبتي
مليحة   عاشقاها   السلُّ   iiوالجربُ
ماتت  بصندوق (وضاح) بلا iiثمنٍ
ولم يمت في حشاها العشق والطربُ

عقب الإلقاء انطفأت أضواء كثير من المشاركين القنابلة، ولمع نجم البردوني كسهيل والشعرى اليمانية.

كم نفتقدك يا عبدالله….

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s