البيان رقم (1)

تُشبه قصص الديمقراطية في العالم العربي قصص الحمل الكاذب لدى النساء، فبعد العناء والمعاناة والتهليل للمولود القادم، تكون النتيجة نفخة هواء، إن تكُن قد سلَّت أو أفرحت قليلاً ولو بالوهم، فإنَّها تتحوَّل إلى نُكتةٍ سوداء، كما هُو الحال الماثل الآن في مُوريتانيا.

ويبدو أنَّ سيِّدي «مُحمَّد ولد الشيخ عبداللَّه»، المنتخب من الشعب رئيساً للبلاد، قد صدَّق لُعبة الحُكم الديمقراطي تحت القبضة العسكرية وفي أوَّل تجربةٍ لتفعيل صلاحياته ووضعها على المحك، تغدَّى به العسكر قبل أن يتعشَّى بهم، وبذلك عادت كُلّ الأمور إلى المُربَّع الأوَّل، أيْ إلى نُقطة الصفر، والحمد للَّه أنَّ الانقلاب كان أبيض، لأنَّ «ولد الشيخ» لم يصل إلى الكُرسيّ على أكوام الجماجم أو يخوض في الطريق إليه نهراً من الدماء.

الديمقراطية ليست قراراً يُتَّخذ على غرَّة، كما أنَّ الديكتاتورية وعسكرة الحياة لا يُمكن أن تكون وضعاً أزلياً أو خياراً وحيداً، فالديمقراطية تبدأ في البيت، وفي المدرسة قبل أن تصل إلى الثكنة أو تُوضع في الدساتير، وهي حين تتأصَّل تطبع الحياة بكاملها وتصير محوراً رئيسياً في ثقافة الجُمهور وثقافة الفرد، فتجدها في الشارع وحركته، وفي السُّلوك النظامي، وفي التجارة التي تختلف عن السرقة، وفي العلاقة بين الرئيس والمرؤوس، وفي القناعة أنَّ الوطن للجميع وخيراته تصل إليهم حسب مجهوداتهم، وأنَّهم ينالون فُرصاً مُتساويةً لجهة الحُصول على العلم والمعرفة والخبرات التي تُؤهِّلها لهم مواهبهم.

كُلُّ هذه الأمور هي التي تحمي التجارب الديمقراطية وتصونها، فهي تتحوَّل إلى قُوَّةٍ مانعةٍ للديكتاتورية وكُلّ أنواع التسلُّط.

إنَّ مُوريتانيا، التي تبلغ مساحتها ضعف مساحة اليمن تقريباً، فيما عدد سُكَّانها لا يتجاوز الملايين الثلاثة، تتمتَّع بوضعٍ كان يُؤهِّلها للخيار الديمقراطي بمواردها الغنية من النفط والحديد والنحاس والفُوسفات والثروات السمكية والزراعية، وهي حاولت مراراً التقرُّب من الديمقراطية التي فيها مُشابهاتٌ من المجتمعات الصحراوية القبلية، حيثُ لم تغرس الدولة أطنابها بعُمقٍ أو تنوء بكلكلها على الناس، لكنَّ عسكرها أبوا في كُلِّ مرَّةٍ من تلك المرَّات إلاَّ تجريعها علقم الانقلابات التي تقلب أولويات كُلّ بلدٍ لتُصبح أولويات الحُكم والحاكمين، وقد تناهت إلى أسماع مجلس الدولة، الحاكم الجديد، الإدانات من أمريكا وأُوروبَّا والاتِّحاد الأفريقي، وبصوتٍ أخفت من جامعة الدُّول العربية ومُنظَّمة المؤتمر الإسلامي.

ومن المُؤكَّد أنَّ المجلس الجديد لن يُولي النداءات والإدانات أُذناً صاغيةً، فقد جرَّبتها المجالس السابقة واكتشفت أنَّ المجتمع الدُّولي لا يلبث حتَّى تتلاشى رُدود فعله، فيهرع إلى البحث عن مصالحه التي عادةً ما يُؤمِّنها رجال الانقلابات سرَّاً وعلناً وصيفاً وشتاءً.

تاريخ البيان رقم (1) في مُوريتانيا عريقٌ مُنذُ جرت الإطاحة بالرئيس الأوَّل «المختار ولد دادة» في 82 نُوفمبر 0691م، وحتَّى مجيء العقيد «أعلى ولد مُحمَّد فال» على أنقاض نظام «ولد الطايع»، حيثُ ترأَّس خلال عامٍ ونصف حُكماً عسكرياً انتقالياً أوفى بوعوده في تنظيم انتخاباتٍ رئاسيةٍ تعدُّديةٍ أوصلت سيِّدي «مُحمَّد ولد الشيخ» إلى رئاسة الجُمهورية، التي خرج منها الآن إلى السجن، بانتظار فصلٍ جديدٍ من فُصول الحياة السياسية القصيرة، «ويأتيك بالأخبار مَنْ لم تزوّد».

 

 

اترك تعليقًا