تحالف الحضارات

اختار موسم «أصيلة» الثقافي الدولي الثلاثين عنواناً لندوته الأولى التي نظمتها جامعة المعتمد بن عباد الصيفية مسمى «تحالف الحضارات» ويستشف من العنوان أن الحضارات منتج إنساني يشبه الأنهار العظمى التي تتغذى من ينابيع متعددة وفي طريقها المديد بين الشرق والغرب والشمال والجنوب تصبَّ فيها إبداعات متعددة وتلحقها إضافات حتى ليصعب في مراحل لاحقة تمييزها تماما أو دسمها بميسم عرق معين، كما يفعل العنصريون والمتعصبون الذين ينسبون كل فضيلة لأنفسهم ويلصقون كل رذيلة بسواهم وهذا النوع من التفكير المغرق في الأنانية والجهالة هو من أكبر رذائل العقل المنحرف الذي لا يرى سوى صورته في مرآة التاريخ.

وجاء في الكلمة التي وجهها ملك المغرب محمد السادس إلى المشاركين في الندوة «إن اختياركم لموضوع تحالف الحضارات يعد استمراراً طبيعياً ومنطقياً لمبادرات طيبة ودعوات صادقة أعلنت عن نفسها في أوقات وسياقات متقاربة، وعبرت عن انشغالات شخصيات فكرية وسياسية رفيعة لمواجهة خطر التزمّت والإنغلاق والإرهاب وتأجيج التطرف بالأطروحة الزائفة لصدام الحضارات».

أما التحالف فهو خيار عقلاني بإرادة واعية تقبل الأخذ والعطاء، وهو يخالف التذويب الذي تفترضه الحضارة السائدة عادة مثل القول بأن تطور الديمقراطيات الغربية قد وصل بالتاريخ إلى غايته ونهايته لأنه ليس للإنسان من مطمح أو مطمع وراء ذلك، وهذه مغالطة واضحة تنظر إلى الكمال في الأبنية النظرية، بغض النظر عما تعكسه الطبائع البشرية على كل النظريات في الواقع التطبيقي، وعلى سبيل المثال فما من أمريكي يتطلع إلى الرئاسة إن لم يكن منضوياً ومدعوماً من أحد الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري واللذين تتحكم بهما ولاءات متعددة ومصالح متناقضة ليس من بينها العدالة البشرية أو الإخوة الإنسانية إلا ما تقاطع منها مع تلك الولاءات والمصالح عرضاً أو قسراً.

ويهرب كثير من المفكرين والباحثين من مناقشة ومحاكمة الأوضاع الماثلة قياساً إلى بناها النظرية، فالأوضاع محكومة بالضعف البشري، مطامع الدول ومخاوفها الحقيقية أو المتوهمة بينما النظرية بناء عقلي لا تشوبه تشوهات الواقع، وهو في أحسن الأحوال يعمل مرشداً لأساسيات الأمور التي تصبح كالماركات العالمية المشهورة من اقتناها استراحت نفسه للبضاعة ومن لم يعثر عليها يبقى في نفسه شيء من أوضاعه.

إن منتدى أصيلة الذي يواصل نموه ويمارس تأثيراته الثقافية على النخب المستنيرة هو تعبير ممتاز عن الروح العربية التي ابدعت ثقافة إنسانية لا تمييز فيها وكانت الأندلس على تخوم الغرب هي المثال لتلك الروح التي قتلها التعصب حين نصب محاكم التفتيش حتى لنوايا الناس ناهيك عن معتقداتهم وهي جوهر حياتهم وقد كان الاختيار عسيراً بين الموت وفقدان الهوية، وهو ما تواجهه اليوم شعوب كثيرة كما هو الحال في فلسطين.

إن شعوبنا العربية على وجه الخصوص بحاجة ماسة لشيوع الفكر التنويري الذي يجنبها هجمة الجاهلية الجديدة ويؤصل لثقافتها بالعودة إلى الينابيع المتدفقة من أعمال إبداعية يجري التعتيم عليها والحط من ريادتها وقدرتها على الحوار مع سائر الحضارات وبين مختلف الشعوب التي تقاربت بفعل ثورة الاتصالات والقدرة الهائلة لتقنيات المعلومات، فالعالم اليوم أصبح محمولاً على كف كل واحد من سكانه وعلى الجميع السعي إلى لغة واحدة تمكنهم من معرفة بعضهم بعضا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s