يابحر…

كورنيش أبوظبي
كورنيش أبوظبي

بنعومتها وحدبها على مواليدها، ثم تحولها إلى الدم والتوحش حين تأكل أبناءها، فيكون للنجيع طعم الحب، وللحب مذاق الدم، ويشبه الإثنان – القطط والبحار – الثورات كفعل إنساني يزلف الوعود للشعوب، وينشر الآمال، ويزرع الأحلام، ثم قد يتحوّل إلى عواصف من التمزيق الذي لا يكل، بدءاً بأقرب الناس إلى صناعة أحداثه، وهذا ما جرى في الثورة الفرنسية – أم الثورات – وفي الثورات الشيوعية التي عمّت العالم قرابة نصف قرن، وفي ثورات العالم الثالث التي أوردت الرايات بيضاء، ثم أصدرتهن حمراً قد روينا.
للبحر ذلك الجبروت الذي ترتجف له أوصال الجبابرة، والذي يجعل المراكب العظيمة كقش في مهب الرياح، مثلت في الرموز التي يتصاعد جبروتها إلى السماوات العلا، جبال الجليد التي دمرت (التايتانيك)، العواصف التي تسري أمواجها كالجبال، فتغرق الحرث والنسل، وتبيد الزرع والضرع. البحر ثلثا الكرة الأرضة مخازن أرزاقها المدخورة لزمن لم ينبثق بعد، ومصدر مياه الشفة والري يتعاون مع أمه الشمس ليتحول من ملح أجاج إلى عذبٍ فرات، يسترخي البحر فتضع على مياهه الطفل الوليد، يهدهده في رفق، وينتزع الابتسامة منه في لطف، ثم يضيق بالناس والسواحل فلا ترى على ضفافه الهائجة مغامراً ولا متآمراً، يغضب من الجبال المزروعة على أجزاء من سواحله فيوسعها عسفاً ورسفاً ثم ينسى، وتلك عادته، فإذا علاقاتهما على أحن ّ ما يكون، كعلاقة أم بسرير ابنها الهزاز. البحر مآل العشاق، يبثونه أشعارهم ووجدانياتهم، ويستودعونه أسرارهم، ويبكون لتختلط دموعه بدموعهم حين تذوي الأحلام ويغدر الزمان ويتبدل ما كان، البحر المزرعة العظمى للصيادين، محروسة بالعناية الإلهية، ولذلك يبثونه الأناشيد، ويحوطونه بالأساطير، ويتوارثون عوائده ورغائبه وقوانينه، وحين يشيبون – وهو في عز الشباب – يسلمون ذخائرهم إلى الأبناء والأحفاد، ويرسمون لغته على المآقي والأهداب. البحر صديقٌ دائم وعدو داهم، تبعاً لنظرة الناس إليه ومعرفتهم به، ففي بطنه اللآلئ والمرجان، وما يستهوي الإنس والجان، وفي ظلماته الهلاك والتوهان والهيلمان والصولجان، وبينهما برزخٌ لا يبغيان. هناك أمم تتوسد البحار وليست بحرية، وأخرى ليس لها سوى منافذ بسيطة ولكنها تحيلها إلى عرائس وفرائس وثروات طائلة وحركة دائبة بين الماء والماء، ولكي تتحول أمة إلى بحرية تحتاج إلى إشعال شرارة الطموح، وجسارة العبور، وحب النزال، وإلا غُزيت في عقر دارها، فلاذت بجبالها كالجرذان، وهي تردد كلما دعيت “أنا طيني وهو ماء… والطين في الماء ذائب”.
يوم أمس جرى افتتاح شاطئ رملي في الواجهة البحرية لمدينة أبوظبي يتسع لمائتي ألف مرتاد، بين سائحٍ وسابح، وكنت أحد الشهود، ولم يكن هنالك شاطئ في ذلك المكان، فقد كان مجرد حاجز للأمواج، يحمي عمارة المدنية أو المدينة المعمورة من ثوران البحر، ثم كانت الفكرة وجاء التنفيذ، “كما صنعنا الكاسر ننشئ الساحل”، فتم إرساء البنية الأساسية، وجيء بالرمل، واقتيدت النخيل في عز شبابها من مشاتلها، ثم رصفت أرصفة المشاة والمظلات والمغاسل والملاعب والمرافق والمقاهي، فإذا بالمكان وقد تحول إلى شاطئ عالمي يضج بالحركة. فكـّرت بشواطئنا التي لا تحتاج إلى كل هذا العناء، ولا إلى كل هذا الصرف، ولكنها تحتاج إلى الفكرة والعمل المثابر والإستقطاب الذكي الذي يحوّلها إلى أماكن ترفيه عظمى يستمتع بها الناس في لهيب الصيف، ويستفيدون منها في ربيع الشتاء الذي يميز بلدنا. عشرون عاماً وأنا أمر بهذا المكان المسمى (كورنيش أبوظبي)، ولم يكن هناك سوى المرور السريع والمنظر العام البديع، اليوم يترجل الناس إلى الرّمل، ويستمتعون بمياه البحر، ويخرجون من ضيق المدينة ورطوبتها إلى كنف جميل لا يُمل.
الإنسان والعمل توأمان يصنعان المعجزات، الإنسان بخياله، والعمل بإنجازه يحولان كل أمرٍ إلى عجينة قابلة للتشكـّل، دبي على سبيل المثال تعمل على مشروع (خور دبي الثقافي) الذي يقسم المدينة كالأنهار العظيمة، وهم يواصلون العمل ليل نهار لإقامة 72 معلماً تراثياً تشمل داراً للأوبرا وأكثر من 10 متاحف و 9 مكتبات عامة و 72 أيقونة ثقافية و 7 معاهد للثقافة والفنون، وذلك على امتداد 20 كيلومتراً، وبكلفة تقترب من 50 مليار دولار، كل هذا من إلهام البحر. العالم يتحرّك، ولا مكان فيه للواقفين، فمن لا يتقدم يتأخر.
شيء لله يا بحرنا الممتد أكثر من ألفي كيلومتر.. شيء لله يا واهب المحار واللؤلؤ والردى…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s