ما بين الخيرين حساب

أخذ صاحبي على خاطره، فبعث لي برسالة عتاب كادت أن تكون نارية، لولا مقتضيات العشرة الطويلة، وهوى النفوس الدفين، وتلك الحكمة التي يتميّز بها الكبار الذين خيروا حلو الحياة ومرها، فأصبحوا يقاربونها مقاربة الملدوغ الذي لا يصاب من جحر مرتين. لقد أطربني ذلك الغضب، فأنا من استفزه حين كتبت أنه لم يبدر منه أي رد فعل متوقع أو غير متوقع، وصاحبي ليس من العاجزين، وإنما كان ينتظر المستمسكات في كتاباتي، ورغم أنه يعيش الآن في عش النسر فوق جبال يافع، إلا أن الإنترنت يصلُه بالعالم، وقد تعلّم الإبحار في لججه منذ سنين، فأصبح (الضرّة) لهواية التصوير التي تلازمه منذ خمسة وثلاثين عاماً، لذلك أشعر بمراقبته لي على مدار الساعة. وقد أخذ عليّ فيما أخذ إنزال مرتبته كما يظن من (زوربا اليماني) إلى (الديدبان)، ولو أمعن النظر لوجد أن (الديدبان) لقب مضاف وليس مستقطعاً من (زوربا) الذي يمتاز بالمغامرة والإستهانة بالعواقب والإحتفال بالحياة كلحظة فرح، ولم يكن الأمر كذلك في ألمانيا كما كنا من قبل في ماليزيا وتايلاند ولندن، فالوضع اختلف… فهناك السكون بدلاً من الحركة، والثلوج بدلاً من الأجواء المشرقة المبللة بالأمطار في الشرق، وبهبّات الإنسان المنعشة في صيف لندن الذي تغيب شمسه بعد الحادية عشرة مساءً، لذلك لم أجد لليل الطويل في برلين والملل المقيم في المستشفى أصلح من (الديدبان) لمرافقتي، ذلك أن الديدبان في موروثنا الثقافي العربي هو حامي الديار، والحافظ للذمار، يعس ويجس داخل أسوار المدينة، فارضاً هيبة السلطة، ومسلحاً بغموض الليل وشجاعة رواد المجهول، وهكذا كان صاحبي في زمن اللازمن ومكان اللامكان، فقد كان زماني وزمانه ومكاني ومكانه في عميق مشاعرنا لا خارجها في الزمن الجاري والمكان الذي لا يريم، ثم:
من ذا الذي ما ساء قط=ومن له الحسنى فقط
كنت أخاطبه إذا ضاقت واستحكمت حلقاتها بما خاطب به ذلك الشاعر رفيق المجنون: أنا ثمل وأنت مجنون فمن ذا يدلنا على عنوان سكننا في هذا الليل، لذلك اتفق معه بأن المحصلة إيجابية في العموم، والباقي تفاصيل كما نقول، فكل شيء إلى زوال، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
وقد أخذته الغيرة على لغته الألمانية التي غزا بها خارج مألوفنا اليماني “لا تغزُ إلا بقوم قد غزت=أو لا فخلي المغازي لأهلها” وأنا لم أشهد أيا من تلك الغزوات، ولكنني أجزم بصدق صاحبي الذي قال فيما قال أنه لم يكن يخاطب الناس بـ (اللاوندي) على رأي العم محمود السعدني، وأنا من أين لي أن أكون حكماً و”علمي دخن” في لغة القدم، ولكنني كنت أشعر أحياناً بوضوح – كما تشعر الحيوانات ببوادر الزلزال – أن (الديدبان) ينحت في صخر لكي يصيب المعنى، حتى أنه قد يتصبب عرقاً في عز البرد، فإذا شعر أن بعضاً من الرسالة قد وصل ينسى المعني بالخطاب، ويلتفت إليّ متسائلاً: “كيف أخوك”، فأقول له “شباش بالهندي وعيني عليك باردة يا ذيب الخلا”، فيعلّق “يا بو الرجال في الأحلام أتكلّم زي البلبل، وفي المواجهة تضيع مني تعابير كثيرة، لأن تفكيري أسرع بمراحل من حافظتي”، أهوّن عليه الأمر وألفت نظره إلى أنه يغرف من بحر إذا ما تحدث إلى الحسناوات، ويتأكك متأملاً جدي من هزلي، ولكن لا يفوته الفخر “ترى أنا و(نجوان) من زمان”.
تحياتي إليك يا علي بن صالح، وصافي يا لبن، فما بين الخيرين حساب…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s