خمسة حُروز..!!

شطح خيال بعض القراء في استكناه وتفسير ما كتبته أمس حول محفظة النقود التي أودعتها لدى الديديان قبل السقوط في غيبوبة “البينج” لإجراء عملية القلب المفتوح، ولم أكن في حاجة إليها بعد ذلك وأنا ملازم سريري وحبيس غرفتي، فما من شيء يباع أو يشترى هناك عدا في الكافتيريا الأقرب إلى “سوبرماركت” صغير، وأنا لا أحتاج إليها فكل طلباتي مجابة، وليست تلك الطلبات سوى الماء القراح ما بين الوجبات، وقد أخبرني الديديان أن قنَّينة الماء الصغيرة، حوالي نصف لتر، تباع بـ”يورو” أي حوالي ثلاثمائة ريال يمني وقد أعفيته من شراء الماء حتى لايُصاب بالإغماء نتيجة الغلاء، ذلك أن الماء مباح لشاربه في المستشفى وقد طاب لصاحبي الأمر فما من مرة زارني إلا وخرج بنصف وزنيه من قناني الماء العذب المائل إلى الحلاوة، على كل حال أمسك الديديان بالمحفظة إمساك القرش بفريسته تحت الماء، ولم يدعني أمتع عيني برؤيتها وكان أستاذاً في أساليب الروغان حتى لا أصرف شيئاً لا يرى هو أن هناك ضرورة له، ومن ذلك أنني طلبت منه إحضار بعض الهدايا للممرضات لمناسبة عيدي الميلاد ورأس السنة، فكان رده صادماً حيث قال: أنهن يؤدين عملهن ويستلمن رواتب، مضيفاً: أنت يا ابن النقيب ما تعرف الأوروبيات، سينظرن إليك على أنك شرقي ساذج، وربما فسرّن الأمر تفسيراً لا يسرك، وقد استمر في هذا “الهدار” حتى أذعنت ولعنت سنسفيل أجدادهن، ثم ندمت لأنهن أولينني من الرعاية والعناية وحسن الخلق، ما أظل مديناً به لهن مدى العمر، والأغرب الذي لم أجد له تفسيراً حتى الآن أنني اكتشفت أن الديديان قدم هدايا لهن للمناسبة التي حرمني منها ومن وراء ظهري، وعندما واجهته قال لي: هناك فرق.. هناك فرق .. وكان يفكر في مخرج من مأزقه، وهنا سألته: أمن نقودك أم من نقودي لأن هناك فرقاً يا فهيم؟ قال الحال واحد وجيبك هو جيبي ثم أنني قدمت الهدايا باسمك قلت: نعم ولكن قلبك ليس قلبي، والآن عليك أن تدب إلى أقرب محل هدايا وتأتي بما أستطيع تقديمه باسمي، وفعلاً بعد أن ظهر المستور غادر الغرفة على عجل دون أي اعتراض وما هي إلا ساعة حتى جاء محملاً بالهدايا وإن كان اختارها من بين الأقل سعراً.. بالمناسبة الديديان يصرف ببذخ على مستلزمات التصوير، كما يصرف ببذخ مماثل على الأكلات الفاخرة في مطاعم النجوم السبعة، ذات يوم طلبت منه ألف يورو من نقودي فقد كنت طلبت من المستشفى حجز موعد لي لدى طبيب عيون، وقد حسبها سريعاً في رأسه فقال أولا لن تجد أي عيادة تصرف لك ألف يورو لأنه مبلغ كبير، ثانياً، وهذا أمر لم أحدَّثك به من قبل فإن بعض المحلات شككت في صحة أوراق الألف، فربما كانت مزورة، وهذا سيعرضنا لمشاكل لها أول وليس لها آخر، قلت له لقد اشتريت اليورو من محل صرافة موثوق ويعرضها على الأجهزة الخاصة بكشف التزوير قبل أن يسلمها للعملاء، قال لي ساخراً: لن تجد الصراف تبعك إلا وقد وصل جلدك إلى المدبغة، قلت لا حول ولا قوة إلا بالله والحل؟! أخرج ثلاثمائة يورو ووضعها في يدي قائلاً إن فيها الخير والبركة، وبسبب كل هذا الخير لم أذهب لطبيب العيون وكنت حين نخرج اشتري بجزء من هذه النقود ما يجعل الديديان يتميز من الغيظ فقد أحس أن رقبتي لم تعد تماماً بين يديه، وفي اليوم الأخير ونحن نعد للسفر جاءني بالمحفظة وكانت عامرة ما شاء الله بفضل تدبيره وقد فرحت بها كما تفرح الأم بعودة ابنها الضائع، ولكن هيهات أن يدوم سرور للإنسان، فقد خرجنا إلى السوق حيث تعرضت لانزلاق ثلجي، ستر الله فلم ينكسر لي ورك أو عمود فقري، وبعد حين تفقدت المحفظة فلم أجدها قلت: فداء.. ويا ليتها ظلت مع الديديان فلديه خمسة جيوب سرية وفيها خمسة حروز ضد العين والضياع وغيرها من آفات الحياة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s