أنفاس البروفيسور

المثل يقول “يا داخل مصر من مثلك كثير”، حتى لا يظن أحد أنه فريد عصره، وكذلك هو الحال في ألمانيا، حيث على الزائر أن يطبق قاعدة “يا غريب كن أديب”، فذلك الشعب الراقي يعاملك على قدر دماثتك وحُسن خلقك والتزامك بالنظام واحترامك لنفسك في الأساس، وإذا كان ذلك ينطبق على السائح والمقيم الوافد فهو حريّ أن يطبق على المريض الذي عليه – من الأساس – الإيمان بأنه في أيدٍ أمينة تحرص عليه أكثر من حرصه على نفسه بحكم العلم الذي هو أمانة عظمى في رقاب العلماء. وقد قلت لرفيقي – الذي أصبح مع مرور الأيام كالديدبان لا يكاد يستقر، فما أن يخلع معطفه حتى يلبسه، وله من المبررات ما لا يحصيه محصٍ – قلت له – وقد تنازع مع جماعة الإستقبال بشأن حجز غرفة في السكن الملحق كان قد تخلّى عنها ثم غير رأيه فقيل له أن الغرفة قد شغلت بمرافق لمريض آخر، وسيعطونه مؤقتاً غرفة بديلة- “يا أخي ما فرقت المسألة، وفي المحصلة أيها الديدبان – وهم حرّاس الأسواق الذي يدبون في الليل لحراسة المدينة – فإنك لا تحتاج إلى أكثر من سرير تضع عليه رأسك بعد أن تمسح المدينة كعادتك، ثم إن الغلطة غلطتك، فأنت تخليت عن الغرفة وهم تصرفوا”، أجاب: “هذا يومي ويومهم، لن أتخلى عن الغرفة على جثتي”، ثم تمادى أكثر فقال: “ليش ما سمعوا عن اليافعي…؟”، وهو بذلك يشير إلى عمه (علي اليافعي) من فتوات عدن في النصف الأول من القرن الماضي الذي كان يضرب بـ (الباكورة) المحناة… ابتسمت ثم انفجرت في ضحك مجلجل، فشرّ البلية ما يضحك، ثم اكتشفت أن الرجل ماكر، فهو يبيعني كلاماً محوّجاً لكي أرويه في المستقبل، ولكنه مستغل جهلي باللغة، يقول للألمان كلاماً آخر فيه الإستعطاف والإسترحام حتى رقـّت له السيدة المسؤولة، فأقنعت الآخر بإعادة الغرفة إليه، الأمر الذي اعتبره الديدبان علي صالح انتصاراً مدوياً قائلاً: “إن (الباكورة) كانت جاهزة”، وقد قضينا ردحاً من سحابة ذلك النهار ننوّع على هذه الحكاية شبه المسلّية، وبالمناسبة فإنه في الغربة وفي حال المرض ومع تمدد الوقت وبطء جريانه فإن أي سالفة يمكن أن تصبح رواية… وأي رواية..!!
ما علينا من هذا كله، ودعوني أحدثكم قليلاً عن جهود الألمان لحماية قلوب مواطنيهم ومن يفِدُ إليهم، حيث يوجد في بلادهم 78 مركزاً حديثاً لعلاج أمراض القلب والرئتين والأوعية الدموية، وقد تأسس مركز القلب الألماني الذي حللت فيه DHZB عام 1983، وهو يقع في أروقة كلية فيرشو التابعة لجامعة هومبولت بمقاطعة برلين، والمبنى الأصلي أنشئ عام 1906م، وقد تعرض للتدمير في الحرب العالمية الثانية. يرأس المجلس التنفيذي للمركز بروفيسور دكتور (رولاند هيتسر)، وهو بمثابة الروح التي تسري في ذلك الجسد النابض بالحياة، ومن اللحظات الجميلة لدى المرضى مشاهدة البروفيسور عند زيارته لهم تحيط به كوكبة من الإخصائيين يكادون أن يسجلّوا أنفاسه وهم يتطلّعون إليه بانبهار، فإذا كان هو شخصياً من أجرى لك العملية “فليمدد الحجاج رجليه إذاً”.
وفي قمة هرم المركز، مجلس تنفيذي، وهيئة إدارية، ولجنة رقابة، وهيئة بالإنتخاب، وأعضاء نواب، وجميع هؤلاء من الصفوة الطبية والإجتماعية، ويوجد في المركز قسم لجراحة القلب والصدر والأوعية الدموية، وقسم الطب الباطني، وقسم تشوهات القلب الخلقية، وقسم طب قلوب الأطفال، ومؤسسة التخدير، وقسم التمريض، وكل هذه الأقسام تتناغم كالسمفونية تحت قيادة المايسترو (رولاند هيتسر)… يكفي هذا وهو فيض من غيض، ذلك أن الداخل إلى برلين كالداخل إلى بيت أبي سفيان، وبارك الله في جهود العلماء أينما كانوا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s