لا تحزن.. عائض القرني

عائض القرني
عائض القرني

“لا تحزن” عنوان مجلد للدكتور عائض القرني قرأته على السرير وقد مهر في أعلى غلافه الأول بجملة “من أكثر الكتب بيعا وانتشارا” ولا أرى فرقا بين البيع والانتشار فكلاهما مرتبط بالآخر، وإنما هي لغة التأليف العربية تغري المترادفات التي تكون أحيانا مطلوبة لتوقيع الموسيقى الخفيفة في النص ولو كان من جملة واحدة، وهذا في تقديري امتداد سري لعلاقة النثر بالشعر منذ العصر الجاهلي، فعملية الفطام لدى الكثير من المؤلفين لم تنجز بصورة قطعية خاصة أولئك الذين يجدون مرجعياتهم الغالبية في التراث القديم والتخريجات الفقهية بأجراسها المنسوجة من تبر الكلام حيث البلاغة مقصودة لذاتها فضلا عن رسالتها ومضامينها.

والدكتور عائض يسبح في هذا الهلام الذهبي المتوافق مع الذائقة العربية، ولا شك أنه قد بذل جهداً هائلا لمغادرة الشرنقة التي اعتادها القوم وأدمنوها في ترداد المردد وتسديد المسدد ومع ذلك فإن هذا النوع من الكتابة يمكن أن يكون من فواتح الشهية ولكن لا يمكن أن يكون كل الأكل على المائدة لأن أغلبه مأخوذ من أفواه آخرين وما كتبه عنه ناشره على الغلاف الأخير من أن “هذه دراسة جادة أخاذة مسؤولة تعنى بمعالجة الجانب المأسوي من حياة البشرية، جانب الاضطراب والقلق، وفقد الثقة، والحيرة، والكآبة والتشاؤم، والهم والغم والحزن والكدر واليأس والقنوط والإحباط.

هذا الكلام غير دقيق فليس الكتاب دراسة.. بمعنى تحديد الموضوع والغوص في جذوره وتلمس ظواهره، وتتبعه في خفاياه وتجلياته وإنما هو أشبه بالسباحة قرب الشاطئ بعيدا عن الحيتان وأسماك القرش وعرائس البحر الساحرات وقد أحسن الداعية القرني باصطناعه أسلوبا خفيفا مباشرا إيحائيا في الغالب ومطرزاً بالشعر وأما كلام الناشر فليس محسوبا عليه، لأن من لـه إلمام بصناعة النشر يعرف أن ما يكتب على الغلاف الأخير هدفه الترويج وليس عرض القيمة العلمية والمعرفية لأي كتاب إلاّ ما ندر.. وكان نقاش هادئ قد دار بين الكاتب الصحفي في “الشرق الأوسط” مشعل السديري والمؤلف حول مبيعات الكتاب وتوثيق حجمه، وأنا أرى أن المبيعات ولو فاقت المليون نسخة كما قيل ليست الفيصل في تقديم الأهمية المعرفية لأي كتاب وإنما هي أحد المؤشرات لقياس مستوى القراء في أي بلد واتجاهاتهم، ولذلك تشيع جملة أكثر الكتب مبيعا في الغرب ومن بينها كتب النصائح للحصول على الثروة واكتساب الثقة في النفس وتغيير المزاج النفسي مثل كتب كارينجي ومنها كتابه الشهير “دع القلق وابدأ الحياة” الذي ترجم إلى العربية في وقت مبكر قبل حوالي نصف قرن ووجد إقبالا كبيرا من القراء الذين يقبلون أيضا على القصص البوليسية مثل قصص شرلوك هولمز وأرسين لوبين وروايات “أجاتا كريستي” ومع ذلك فهذا النوع من الكتب يحمد له أنّه يشجع الناشئة على القراءة التي تقودهم تدريجيا نحو مستويات أعلى ثقافيا.. وينبغي أن نسجل للدكتور عائض أنه كسر العديد من المحرمات التي لم يكن لكراهيتها معنى سوى التعصب المقيت مثل الاستشهادات بعظماء الإنسانية وما تتخطفه الصحف اليومية من أخبار طريفة ومواضيع عجيبة ناهيك عن كمية التفاؤل المهولة التي إن عجزت عن إزالة الكآبة فقد حالت على الأقل دون نشرها وترويجها.


الكتاب والخمار. . ! !

لم يتحمّل الداعية الدكتور عائض القرني لَسَعات الكاتب السّاخر مشعل السديري، الّذي بدا له أنه شكّك بمبيعات كتابه (لا تحزن) قائلاً إن مليون نسخة رقم لم يصل نجيب محفوظ الحائز على (نوبل) حتّى إلى ربعه، وعلى الرغم من أنّ السّديري قد غلّف (لسعه) في جريدة الشرق الأوسط حيث يكتب الاثنان معاً بقفّازات حريرية معطّرة تنطلي على أصحاب الظاهر ويفهمها الراسخون في العلم، أو على حد تعبير المثل اليمني (ما يفهم رطني إلاّ ولد بطني).

إلاّ أنّ المعني التقط المعنى على الطائر، ولم يقبض جدّياً براءة الضمائر.

وقد صحّح عائض الرّقم لإغاظة السّديري أكثر ربّما ولإجلاء الحقائق أكيداً فقال في ردّه إن التوزيع قد تجاوز المليوني نسخة وهذا بالعربي فقط لأن كتاب (لا تحزن) قد تُرجم إلى أكثر من عشرين لغة، وقد احتلّ المرتبة الأولى في مبيعات الكتب في أكبر بلد مسلم تعداداً وهو إندونيسيا كما لمس ذلك بنفسه، يعني (بعيني شفت ولم يقل لي أحد) وبين قوسين استشهد الشيخ بالذكر الحكيم (وخاب من افترى) ما علينا. .

شخصياً. . ليس لديّ ما يجعلني أشكك برقم المليوني نسخة غير المسبوق كما وصفه الكاتب (سمير عطا الله) مصيفاً أنه قد لا يُلحق بعد زمن، وهذا لا يعود كما أرى إلى أن قراء عرباً قد هبطوا بالمظّلات من السماء فهم ليسوا من جنس عرب الأرض ما بين المحيط والخليج الذين لا يوزّع أفضل الكتب بينهم أكثر من خمسة اَلاف نسخة، ولكنني أميل إلى الموافقة لثقتي في صدقية الشيخ عائض من جهة ولكثرة محبيه ومريديه، ولسهولة المادة التي تقارب أقل الأفهام وتسمو إلى أعلاها، إضافة إلى أنّ الدعاية تفعل الأعاجيب في عصرنا فمن أحسنها أصاب من مرامه مقتلا، ولعلّ الشّيخ و (مكتبة العبيكان) الناشرة قد تأستذا هذه المرة، فشقّا طريقاً للكتاب العربي لم يسبقهما إليه أحد، ومن الاَن وصاعداً ستنحدر كل مياه جبال الكتب إلى هذا الوادي المبارك، مما يذكرنا بقصة ذلك البائع الذي وقع في صفقة خاسرة بشرائه خُمرُا سوداء لم تهوها نفوس نساء مكّة حيث وجد نفسه أمام خسران مبين يبكي قريشاته ورأسماله، حتى دلّه أحد أصحاب الخير على الشاعر أبي العتاهية الزّاهد المعتزل لعله أن يجد له مخرجاً، وقد ذهب إليه فرقّ قلبه، وعاوده هدى الشعر فاستدعى قرينه فكتب: قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا فعلت بزاهد متعبّد قد كان شمرّ للصّلاة ثيابه حتى وقفت له بباب المسجد ردّي عليه صلاته وصيامه لا تفتنيه بحقّ دين محمد وما إن شاع خبر الشعر، وذهاب عقل صاحبه الشّهير خلف ذات خمار اسود حتى أقبلت النساء ينتهح خمرُ التاجر نهباً فذهب برزقه هارباً وربما نسي أن يشكر أبا العتاهية الذي استأنف نُسكه مستغفراً الله وملازماً زاويته في المسجد الحرام، وقديماً قالوا (رزق الهبل على المجانين) وهل أجنّ من النساء في عالم (الموضة) ولفت الأنظار. أما حكاية (التقّويل) التي اتّكأ عليها مشعل، لا أطفأ الله له مصباحاً، فهي من باب المماحكة ليس إلاّ، حيث يجوز للكتّاب السّاخرين ما لا يجوز لغيرهم، ولو تابع أحاديث الشيخ الشعراوي لوجد أنّ الأمر هو فعلاً (بلسان الحال لا بلسان المقال). . وغفر الله لنا جميعاً السهّو والزّلل (إلى الغد)


سوق المشتري. .

نختم اليوم إطلالة الطائر على كتاب الداعية اللامع الدكتور عائض القرني وما أثاره من أشجان حول توزيع الكتاب العربي، وفي رأيي أيضا حول تأليف الكتاب العربي بما يتناسب وما ينتظره الجمهور من المفّكرين أرباب الأقلام، حيث لا ينبغي لهم الاتكّاء في أبراجهم العاجية رجلاً على رجل والنعّي على النّاس عدم سعيهم إليهم، ذلك أن سوق الكتاب في وقتنا هو سوق المشتري كما يقولون في لغة التجارة، وقد رأينا في معارض الكتب إقبالاً غير مسبوق على كتيبات هي أقرب إلى التلاعب بعواطف الناس وتسويق الخرافات منها إلى مخاطبة العقل وإثارة حوافز التفكير، ووجدنا كتباً جادّة لا يقبل عليها سوى النفر القليل المتنوّر ذلك أن صاحبها لم يتوصّل إلى الأسلوب الذي يقتحم حصون الجمهور المتشبث بمحدوديته المعرفية، ولأن الناشر لم يحسن الدعاية والموزع لم يجوّد العرض ، ومن هنا وجب على ضوء أرقام الداعية القرني اللافتة تدارس كل جوانب القصور من قبل الهيئات الرسمية والمهتمين ربما يشجع حركة التأليف الخامدة، والترجمة البائسة، وكنت الأسبوع الماضي قد قرأت أن الهند تطبع مائتي ألف عنوان جديد في العام الواحد. . يا للهول، كما أن اليابان تترجم سنوياً مائة ألف عنوان، ونحن والحمد والمنة للّه وقف أحد أبرز قادة المعرفة في وطننا العربي الكبير وهو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد اَل مكتوم مطلع هذا الشهر ليتحدّى المترجمين والناشرين العرب إنجاز ترجمة ألف كتاب لتقوم مؤسسته المتخصصة بالصرف عليها قائلاً لهم: (انجزوا ونحن لها): لقد أسمعت لو ناديت حيّا ولكن لا حياة لمن تنادي وكتاب (لا تحزن) رغم أنه (كشكول) بمعنى الكلمة إلاّ أن نجاحه يؤشر إلى أمور كثيرة، علماً أن (الكشكول) لا يعيبه وإنما يصفه، ذلك أنّ معظم المؤلفات العربية الكلاسيكية هي (كشاكيل) جامعة من حماسة أبي تمام إلى أغاني الاصفهاني، إلى تأليف العصور الوسيطة التي زخرت بحواشي الحواشي إن افاضت وتقليم المجلدات وإن يسرّت لتكون في فكرة كتب الجيب بمقاييس عصرها، وقد جرّد أحد المؤلفين المعاصرين مجلدات (الأغاني) من الاسنادات لفلان عن فلان عن علان فانكمش إلى خُمّس أو سُدْس حجمة دون إخلال بأيّ مضمون.

على كلٍ. . المساحة تداهمني، ولا بد من بعض المختارات لوضعكم في أجواء كتاب الدكتور القرني ولنعتبر ذلك نوعاً من الدعاية لمزيد من المبيعات المليونية، التي قال الشيخ بارك اللّه فيه إن عائدها ليس إلى جيبه: (قال أحد السلف عن الأثرياء وقصورهم ودُورهم وأموالهم: نأكل ويأكلون، ونشرب ويشربون، وننظر وينظرون، ولا نحاسب ويحاسبون). قال إمرسون في مقالته حول الاعتماد على النفس : (سيأتي الوقت الذي يصل فيه علم الإنسان إلى الإيمان بأن الحسد هو الجهل، والتقليد هو الانتحار، وأن يعتبر نفسه كما هي مهما تكن الظروف، لأن ذاك هو نصيبه، وأنه رغم امتلاء الكون بالأشياء الصّالحة، لن يحصل على حبّة ذرة إلاّ بعد زراعة ورعاية الأرض المُعطاة له، فالقوى الكامنة في داخله، هي جديدة في الطبيعة، ولا أحد يعرف مدى قدرته، حتى هو لا يعرف ذلك إلى أن يجرب).

في المختارات والتعليق عليها وفيما يبدعه الشيخ من بنات أفكاره شيءُ من روحه، وهي روح مُحبّة لطيفة تنفذ إلى قلوب الاَخرين بيسر، وهذا من أسرار الكتابة الناجحة التي تبشر ولا تنفر.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s