عبدالرحمن إبراهيم – هدهد وطن

أرفق بزوبعة المرايا، هشّم مسافتك العتيقة. الموت أشهى من عجائبهم. وأبهى من خرائبها الوصايا، لك وردة ليست لهم، ولك إبتهاجات العشيقة”.. من هؤلاء الذين عكروا رؤية الشاعر عبدالرحمن إبراهيم لتنطبق عليهم مقولة جان بول سارتر «الآخرون هم الجحيم»؟ لا تهم التسمية فالأضداد تتناسل من بعضها في المجتمعات الغارقة في الماضوية لا لتتعايش وإنما لتحاول المستحيل بقطع أنفاس بعضها،

وقد عرف جيلنا عدة محاولات في الاتجاهين حين طغى اليسار بلا يسارية وحين شحذ اليمني سكاكينه دون أصولية حقيقية، وحين التزمت الأغلبية الصامتة الخنوع وسلمت بزواج أمنّا كما يقول المثل المصري “من تزوج أمنا فهو عمنا”.

صاحبنا عبدالرحمن إبراهيم ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء بعد التدقيق وإنما هو باحث عن التنوير الحضاري وخلاص الروح وحرية النظر إلى الأفق والتواصل مع الرموز الإنسانية العظمى من “فان كوخ” الذي احترق في مدخنة الفقر” إلى “رامبو” الذي غرق في الغياب وهو في قمة الحضور الى “جبران” صاحب العواصف التي لم تأخذ مداها بعد الى إمرؤ القيس الذي سبق رامبو في استباحة مشاعره ليسفحها بعرض الصحراء حيث لم يكن بين يديه رقيب سوى سكان “وادي عبقر” الذين لا يعترفون سوى بنيران الشعر، وأما الحرائق فيرحبون بها ولو أتت على نصف الرمل لأنه سيتحول الى مرايا تجلط قلوب العاشقين.

“لا تعلّق قصائدك الشيطانية على جدار جدك امرئ القيس احذر أن تقترب من فضلات شهواته. احذر أن تضيء قناديلك بزيت قناديله الجهنمية لا ترتطم أرجوك بصخور الملك الضلّيل، ولا تنشد الى هديل كأسه الطرية الغابرة أتت غرفا لهديل كأسك وحدك.. فصد فاطمة لا يجري في أنبوب رغائبك الحاضرة”.

لو شاء الشاعر لأصل امرئ القيس الذي تعتق في الزمن، ولو شاء لا ستولد نفسه منه لأنه جده، ولو شاء لطابق بين فاطمتين واحدة تسمت في الواقع والأخرى تسمت من المجاز ومع ذلك فقد فعلها جميعاً بمكر الشعر كما فعلها جده بقوة الحرية

أفاطم مهلا بعض هذا التدلل

وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

أغرك مني إن حبك قاتلي

وإنك مهما تأمري القلب يفعل

كان “الضليل” يتنفس هواء الحرية، وشاعرنا يسترقها إستراقا ويعيش هواءها في قوارير المجاز لأن في فمه ماء وفي قلبه سأم يذكرنا بسأم صلاح عبدالصبور:

سأم.. سأم.. نفخ الأراجيل سأم

دبيب فخذ امرأة ما بين اليتي رجل.. سأم.

عبدالرحمن إبراهيم لا يضع رأسه كالنعامة في كومة رمل، إنه يحيط بنظره ونظرته كل ما حوله، فما زال البدوي الذي يقصّ الأثر يملأ خياشيمه بروائح العرار والصبا اليمانية وذلك الإحساس الحارق بالضياع الذي أمض المتنبي وأشعل في خاطره حرائق السؤال:

قد سألنا- ونحن أدرى – بنجد

أطويل طريقنا أم يطول

وكثير من السؤال إشتياقاً

وكثير من رده تعليل

هذا البدوي “المتبنطل المتعلق بالحنيات والنسوة المفارقات اللواتي تنمو الحضارة على أصابعهن وتتدفق الأنهار من عواطفهن يجد ضالته ودالته في أفيائهن.

“فتق نهد امرأة تتسلق أشجار سعالك، هاجر في همس بداوتها، دعها هائمة في صحراوات سؤالك. دعها تتسول في خيمتك النافرة.. إسقها جرعة طاهرة. إنها هدهد وطن، وجدائلها غادرة”

هدهد وطن وجدائلها غادرة.. هذه هي الأحجية المركبة التي تشبه سؤال ابي الهول للداخلين الى “ممفيس” ولن تجد حلها إلا في رحابة الشعر لا في ضيق الإجابات المعلبة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s