وفي اللَّيلة الظلماء…

دعا المُشاركون في المُلتقى الدولي الرابع «تصوُّف – ثقافة – مُوسيقى»، الذي اختتم أعماله أمس الأوَّل بالجزائر، إلى إعادة الاعتبار للموروث الثقافي الصُّوفي وتكريس تعالميه وترقية فلسفته وبثّ حكمته في الأقطار الإسلامية، كما شدَّد المُلتقى في تقريره الختامي، على ضرورة حماية التُّراث الصُّوفي ورعايته من التلف وتحصينه، تبعاً لكون الثقافة الصُّوفية تُعدُّ من رُوح الأُمَّة وضميرها الحيّ، والسعي إلى إنقاذ أكبر قدرٍ من المُكوِّنات، المادِّية وغير المادِّية، للتُّراث الصُّوفي، من مخطوطٍ ومقروءٍ ومسموع، طالما أنَّ هذا التُّراث أحد شُروط بقاء الأُمَّة الإسلامية مُكتملةً ومُنسجمةً في مُواجهة رياح العولمة.

تأمَّلتُ في عنوان المُلتقى «تصوُّف – ثقافة – مُوسيقى»، على أساس أنَّ المكتوب يُقرأ من عنوانه، فقدَّرتُ أنَّ المقصود رُبَّما هو أنَّ التصوُّف إيغالٌ في أشواق الرُّوح وعُمق صلتها بالخالق وتجلِّياته في الإنسان والكون وفي صُور الجمال المبثوث التي لا تستشعرها الأعين الرمداء المُنصرفة إلى القُشور المُلقاة في طريق السالكين، فَمَنْ رمى نفسه عليها انشغل بها، وَمَنْ جاوزها وطلب ما وراءها طَرَقَ أبواباً وراء أبواب، كُلَّما انفتح له أحدها قاده إلى غيره، وهذا يقتضي التجرُّد والمُجاهدة وتخليص الدّنيا من الدُّنيا.

وفي سِيَرِ القامات الكُبرى في التصُّوف الإسلامي مُكابداتٌ واستلهاماتٌ ورُؤىً أغنت الحضارة وجلبت للإنسان الطمأنينة والانسجام، بل وفجَّرت فيه طاقاتٍ لم يكُن يُدركها في عُتمة العيش، وفي اللُّغة لأُدباء المُتصوِّفة فتوحاتٌ ما زالت كُنوزها لم تُستثمر بعد، فهي غنيَّةٌ بالدلالات المفتوحة في عالم المعاني، مع رشاقةٍ في العبارة ومجازاتٍ تخطف الألباب.

وللتصوُّف مُساهماته في إغناء الفلسفة والاجتهاد وتقعيد الشريعة وفهم النُّصوص، ولا يخلو نشاطٌ إسلاميٌّ خلاَّقٌ على امتداد أكثر من ألف عام، من بصمةٍ صُوفية، فريدةٍ وأصيلة، ولا تُنافس الحركة الصُّوفية في انتشارها بطُول العالم الإسلامي وعرضه، أيَّة حركةٍ أُخرى، ويُوجد اليوم مئات الملايين من المنضوين تحت ألويتها السلمية، يستلهمون تُراثها الغني ومُعطياتها الفريدة وأساليبها الروحانية التي تُلامس النفس البشرية بعُمقها الأخلاقي والرسالي في كُلِّ زمانٍ ومكان.

ولم ينبهر المُستشرقون الغربيون، الذين اكتشفوا غُرر أدبياتها، بأيَّة حركةٍ أُخرى أكثر من انبهارهم بالصُّوفية والتصوُّف، ففي هذا الوعاء استوعب المُسلمون خُلاصة ما يُعرف برُوح الشرق من تخوم الصين إلى تخوم بلاد العرب، أمَّا الثقافة، فهي مُعطىً نظريٌّ وعقلانيٌّ وهيكلةٌ لصلة الرُّوح بالحياة الواقعية ودُنيا المعاش والمُعاملات ونقل المعرفة المُقنَّنة، وبالثقافة يتكامل الإنسان، رُوحاً وعقلاً، نظراً وتطبيقاً، حُرِّيَّةً ومسؤوليةً، في إطار التشريع والشريعة المُقيِّدَيْن لجموح الإنسان وشطحه، هذا في العموم، لأنَّ الصُّوفية بلغ من سعتها في الزمان والمكان استيعابها لتنوّعٍ غير محدود، ورُبَّما أشبهت في ذلك المُوسيقى التي لا يحدُّها حدّ، والتي يُمكنها حمل أشواق الإنسان التي تنوء بها الجبال دُون تكلُّف، وقد كانت المُوسيقى، بإيقاعاتها، رفيقة المُتصوِّفة في خلواتهم وتعلُّقهم بحبال السماء.

إنَّ الدعوة إلى إعادة الاعتبار للموروث الثقافي الصُّوفي، تكتسب أهمِّيَّةً استثنائيةً اليوم في مُواجهة التطرُّف واليباس الفكري ودعوات التكفير، «وفي اللَّيلة الظلماء يفتقد البدر».

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s