قبور تريم. .

أحتفظ بهذه القُصاصة من جريدة(الحياة) اللندنية منذ 30 نوفمبر 2006 على أمل أن تُتاح لي فرصة للتعقيب عليها وعنوانها: كتابة تاريخ العالم: حضرموت والهجرة، للأكاديمي البريطاني (روجر أوين) من جامعة (هارفارد)، وقد تناول بالعرض السريع الشائق كتاب البروفيسور (اينسينج هو) أحد المتخصصين في علم الاجتماع الإنساني في جامعة (هارفارد) والمعنون (قُبور تريم) الصادر عن (يونيفرستي أوف كاليفورنيا) سنة 2000، وقد تحدّث عن الكتاب والكاتب بقوله (إنه يرتكز على سنوات طوال من الأبحاث حول حضرموت والهجرة منها إلى الهند وجنوب شرق اَسيا وإفريقيا، ويقدّم تحليلاً مفصلاً بطريقة رائعة عن إنشاء وصيانة نظام (شبكات) – اتصالات- استمر إلى ما بعد سقوط الامبراطوريات البحرية العظيمة التي حضنته جزئياً. ويتناول إلى جانب هذا المشكلات العملية المرتبطة بهذا المشروع الفكري الواسع. وعلى الرغم من أن الكتاب ليس سهل القراءة بمجمله، غير أنني لا أشكّ مطلقاً في أنه سيصبح مع مرور السنين من الكتب الأجنبية القلائل التي تتناول العالم العربي وتستحقُ لقب ’’كتاب كلاسيكي’’ – عن حق). ومن الواضح في رؤية البروفيسور (اينسينج هو) والعارض (روجر أوين) أن زخم الهجرة الحضرمية إلى الشرق وإفريقيا قد أنتج مشروعاً حضارياً بطريقة لينة رافقت الامبراطوريات البحرية العظمى وسايرتها حتى تفوقت عليها، وتمكنت من دحرها، وذلك بالالتحام في نسيج المجتمعات التي تحوّلت إلى الإسلام بالدعوة والموعظة الحسنة والقدوة الصالحة، دون حاجة إلى المدافع والسيّاط والقيود والسخرة لاستخراج الثروات ونهبها، وشتان بين فتحٍ وفتح، فقد فتح الهولنديون والإنجليز والبرتغاليون من قبلهم مساحات واسعة من الأرض بقوة السلاح، وقسوة الخوف، ثم ابتلعتهم الأرض فأصبحوا أثراً بعد عين، وجاء الفتح الثاني مصحوباً بالبشارة والأمل وإشراق روح الإنسان الحر فاستوعبته الأرض ، كما تستوعب البذور الصالحة لتصبح بعد فترة احتضان أشجاراً مثمرة وبساتين تضجّ بالحياة والجمال. والحق أن أحداً من (أهل البيت) لم يضرب في هذه الأعماق بالعرض والتحليل والاستنتاج ما ضربه المهاجرون بأرجلهم وألسنتهم ومعاناتهم، ولذلك فإن صور (الاغتراب) هي السائدة اليوم بين ينابيع هؤلاء في اليمن وأحفادهم في الاَفاق. إن هي إلا مجرد ذكرياتٍ تذوي، وسحنٍ تتلون وجفاء يصل أحياناً إلى التناكر والتنابز بالألقاب، وهذا يدلّ على فقدان النسق الحضاري، فمن يتذكر اليوم فراديس الهند وغُررها الإسلامية المنيرة فبقايا اليمانيين في حيدر اَباد يبحثون عن عربي يزوجونه بنتاً من بناتهم صوناً لهوية تتسرّب من بين أصابعهم كالماء، فلا يجدون ذلك العربي التائه الذي يبحث في مراياه عن فلبينية أو صينية أو أوروبية، وهذا على سبيل المثال ولك أن تقيس على ذلك، ارتباطاً بالمعاناة الأولى: (تعيّن على هؤلاء الحضارم المجردين من السلطة والحماية، أن يشقوا طريقهم بأنفسهم داخل التراكيب الاجتماعية والسياسية المحلية في المناطق التي استقبلتهم، ولذلك صاهروا المجتمعات المحلّية وأسسوا عائلات ترتبط ببلدهم الأم عبر صلة الدّم، وعبر ثقافة وعلم يقومان على مفاهيم التنقل والعودة والثقافة الدينية والأخلاقية، لإنشاء مجتمع يمتد عبر المحيطات ويعتبر نفسه مرتبطاً بصلة الرحم التي يعززها الغناء والكتابة والقراءة والروايات المحكية التي أشار إليها البروفيسور (هو) بقوله: (عبر الروايات التي يتقاسمونها عن أنفسهم). أما (تريم) وقبورها حسب العنوان، فهي رمزُ خالد للذهاب والإياب والشهود والغياب لجمعها بين الديني والدنيوي، وبين الرمز والمثال والإلهام والخيال. ويختم العارض بالقول: يعدُ كتاب (قبور تريم) بأن يكون في عداد الكتب العظيمة التي يقرأها المرء،ويتأمل فيها ثم يعود ليقرأها مجدداً، ونأمل أن يبلغ سريعاً الجمهور الناطق بالعربية. . إنه حقاً إنجازُ لافت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s