الشيخ بعيون الحبيشي

حسين علي الحبيشي
حسين علي الحبيشي

ومنعاً للبس فإن الحبيشي هو حسين علي الحبيشي أحد ألمع أبناء الشيخ عثمان الصامدة على حدي البحر البر، وقد أصبحت الآن المدينة الأعظم في عدن بمواليدها في المنصورة ودارسعد والبساتين وغيرها وبما ينتظرها من توسعٍ حدوده الأفق الذي لا حدود له إذا ما توفرت الخدمات وفي مقدمتها مياه الشفه والمجاري والكهرباء والطرقات وفقاً للمثل اليافعي «رقصة بناموس أو لا خير بطالها» أي إلغاء الرقص إذا انعدمت مقوماته وفي المقدمة منه الإجادة وحفظ الأصول لأنه «لو كل من جاء نجر ما بقى في الوادي شجر».

الأستاذ الحبيشي كان عميداً لكلية بلقيس في الشيخ ورئيس المكتب القانوني للدولة والمستشار القانوني لرئيس الجمهورية ونائباً لرئيس الوزراء للشؤون الخارجية والاقتصادية وعضواً في مجلس النواب ورئيس لجنة الحدود البحرية، يعني بالمختصر المفيد وكما يقول يحيى عمر «دولة عظيمة وما حد يعصي الدولة» وقد ولد في الشيخ عثمان في 1928م وتخرج في جامعة القاهرة ولندن واستانفورد، وقد فصّلت ذلك حتى لا أتّهم في غمط الشيخ وأبنائها حقوقهم، مع أنني أتمنى لو كنت من ذرات «غوباتها» التي تمطر رملاً حاصرنا ذات يوم في منتدى الأستاذ نجيب يابلي ونحن مقيلون فلم يطيّب مذاق الرمل غير سكّر حديث راعي المنتدى.

ما علينا.. أصدر الأستاذ حسين عن وزارة الثقافة كتابة الممتع «محطات حياتي» وأعطى صدارته لمدينته قبل أن يترحّل حول العالم وخص أصدقاءه بفيض من العواطف وفي الطليعة منهم الأستاذ الكبير ابن الشيخ عبدالله فاضل فارع الذي اعتبره «تميمة الكتاب» مثل تلك التميمة التي يختارونها للأولمبياد ولكل عمل ذي خطر.. وقد فرحت بفصل «الشيخ عثمان» كأنني عثرت على كنز ذلك أن أحد القراء «المدابعة» طلب مني أن أكتب عن حافة دُبَعْ، وما كنت بها من العارفين إلا سماعاً، فتمنيت لحظتها لو كانت لي مقدرة حسن الكرمي في برنامجه الشهير من إذاعة لندن «قول على قول» الذي كان يفتتح كل إجابة بعبارته الشهيرة: من القائل؟ وما المناسبة؟ ثم يفيض بما فتح الله عليه من عند نفسه ومن مراجعة في آداب العرب ولغتهم الجميلة.

الفقر الذي كان يطحن الشيخ هو لازمة الكتاب، ومن صَدَفَة الفقر خرجت اللآلئ وسبحان الذي يخرج الحي من الميت ولكنه لم يكن فقراً مستسلماً وإنما متحدياً مكافحاً، لأنه ترافق مع بزوغ وعي جديد رافق الحرب العالمية الثانية وما تلاها حيث أصبح العلم والنهل منه غاية كل موهوب، كما أصبح المعلمون نجوماً تجاوزوا دور الجمّالين في تلك الواحة التي طالما سقت أحياء عدن المترفة بمياهها.ويستعرض الأستاذ أوضاع الأسر من خلال أسرته التي كانت تحت خط الفقر ومن خلال الشارع الذي كان تحت خط الجهل والخرافة تتلامع في عيونه سيوف عنترة بن شداد ومكائد الجن التي تعشش في أدمغة الناس وتعيش في أوساطهم، وقد أنصف الأستاذ دور الإرساليات التعليمية الأجنبية ونزاهة مقاصدها عن معرفة ومعايشة لا عن قيل وقال.

إلى العدد القادم لنستمع من الأستاذ الحبيشي ونشرب من فم النبع.

 ——————————

من فم النبع ..

كتبهافضل النقيب ، في 28 يوليو 2007

وعَدتُ في زاوية الأسبوع الماضي المعنونة «الشيخ عثمان بعين الحبيشي» أن أكمل اليوم من «فم النبع» والمقصود هو ترك الأستاذ حسين علي الحبيشي يحدّثنا عن مدينته وما بقي منها في ذاكرته دون أن أثقل عليه بالحواشي والتعليقات، وقد حدد فترة ذكرياته بين عامي 1928 و1948، وهي فترة ندرت عنها الكتابات:

«أول ما يصفعك في الشارع (الغوبة) العاوية كالذئاب الجائعة تحوم حول المنازل بحثاً عن خروق لتتسلل إلى أحشائها وإلى كل الثقوب في خلقة الإنسان من العيون والآذان وحتى فتحات الأنوف، وكنت مع نحافة جسمي أتشبث بالباب أو أي قعادة كي لا أطير مع القراطيس والعلب الفارغة، ولتعذرني مدينتي الحبيبة الشيخ عثمان إذا قسوت عليها في وصف معايبها حينئذ فسوف آتي على ذكر محاسنها».

«كان هناك اتفاق بين عجائز المدينة وبعض فقهاء (المعلامة) على الترويج لفكرة الجن وانتشارهم في غياهب الليل، وهكذا علموني الخوف حتى من ظلي لأنه جني. وأكثر الكلمات ترديداً هي كلمة (لا): لا تفعل ولا تفكر ولا تتخيل، ومقابلها: احفظ واستمع ولا تسأل، وهذه هي خلاصة التربية الشيخية العربية الإسلامية حينذاك، أما مجتمع الكبار من حولنا فيلخصه المثل القائل (قات وشاهي تأتيك الدواهي)».

«ورغم تلك السلبيات إلا أن ذلك العهد في الشيخ عثمان كان مليئاً بالشهد كما كان مغرورقاً بالدموع، فقد كانت الحياة بسيطة وسهلة ومتطلبات العيش قليلة وشحيحة، أما مضارب الصبا وملاعبه فلا تحصى».

«كان للشيخ عثمان شأن منذ الحرب الأولى بيد الحلفاء والمحور، وقد زحف القائد التركي سعيد باشا بجيش إلى الشيخ عثمان وأطراف خورمكسر، وعندما انسحب الإنجليز من المدينة قام الأهالي وعلى رأسهم أحد الفتوات اسمه (بانتيشه) باستدعاء العثمانيين الذين أعادوا تسليمها للبانتيشه وأصحابه عندما اضطروا للانسحاب، وقد عرفت الـ (بانتيشه) عن قرب، طويلاً أسمر مهيباً ذا صوت أجش، كأنه في إطار صورة من صور الأساطير».

«بالنسبة لضريح ومزار الهاشمي الذي كان يعمل لدى التاجر الفرنسي (البس) وكان تقياً ورعاً، وقد طلب من البس أن يتوسط له لدى السلطة لبناء جامع حتى يمتنع الرجال والنساء من استخدام الشارع للبغاء، ولكن السلطة رفضت طلبه في بداية الأمر، فهدد بأن يدعو الله أن يخسر البريطانيون الحرب، فنقل (البس) كلامه كنكتة لحاكم عدن الذي وافق أخيراً على إقامة المسجد ثم الضريح».

«في أطراف مدينة الشيخ عثمان القديمة (الشيخ الدويل) كانت توجد الإرسالية الءسكتلندية، وهي عبارة عن مدرسة ومستشفى ومبنى يستعمل ككنيسة، وقد قامت هذه الإرسالية بسد فراغات الإهمال للشيخ عثمان من حيث خدمات التعليم والتطبيب، ولم يصبح مسيحياً على يدها خلال مائة عام إلا شخص واحد كان بدوياً وأصبح دكتوراً، والله أعلم، هل تنصّر في وجدانه أم أنه قضى حاجته للرقي».

هذه ملامح من تاريخ ما أهمله التاريخ حول الشيخ عثمان التي جمعت فأوعت أخلاط من أبناء اليمن – بدو وحاضرة ومن الوافدين للعيش- بلدان ما وراء البحار قبل أن تستوي على عرشها مدينة ضاجّة بالحياة، وذلك كما روى الأستاذ حسين علي الحبيشي .. وللموضوع صلة.

————————–

غيضٌ من فيض..

كتبها فضل النقيب ، في 5 أغسطس 2007

انتهى ذلك الزمن القديم، أو على حد قول أهلنا «الدويل» الذي كانت تبدو فيه الأعوام متشابهة كقوالب الطوب في واجهات المباني، ونحن نعيش الآن أزماناً سريعة التحول تنخل الناس نخلاً، وتجعل حظوظهم كحظ إمام العبد الشاعر المصري الرهيف الذي خرج من دنياه «يد قدام ويد وراء» ومع ذلك لم تفارقه الابتسامة، وهو القائل:

إن حظي كدقيقٍ

فوق شوكٍ نثروه

ثم قالوا لحفاةٍ

يوم ريح اجمعوه

في أيامنا قد يُستهلك من أحداث الزمن في عشية ليلة وضحاها ما كان يستهلك في سنوات تسير مكررة متشابهة تتساند على بعضها دون أن تتفكك، وذلك ما لاحظته وأنا أواصل القراءة في «محطات حياتي» للأستاذ حسين علي الحبيشي بهدف استجلاء صورة الشيخ عثمان ما بين عامي 1948-1928م، وقد كان الزمن آنذاك «دويلاً» حقاً ولكن ناسه كانوا يستطعمونه ويستعذبونه بعد أن يلفظوا مراره، ثم يضيئونه كأنه فص ألماس في ذاكرتهم الجمعية.

من مضحكات تلك الأيام وإن كان ضحكاً كالبكاء، ما يرويه الأستاذ عن الدجل والدجالين ومدعي «المسيدة» وكيف استخدم جار لهم من ذلك النفر البصق والضرب بالحذاء لإخراج شيطان مزعوم من جسد أخيه، وعرّج قليلاً على شتائم النساء لبعضهن من وراء الأبواب بسبب مشاحنات الأولاد في الحارات، وكيف تدفع إحداهن زوجها لمبارزة زوج الأخرى، فيخرج بعصاه، فيما توقظ الثانية زوجها فيخرج للمبارزة وهو لا يعرف أصل الموضوع فهو مازال يفرك عينيه من لذيذ المنام، وهذا يذكرني بقول الشاعر:

إن النساء شياطين خُلِقْنَ لكم

أعوذ بالله من شر الشياطين

وحتى لا أزعِّل بنات حواء، فإنني أذكرهن بما ردت به واحدة غيورة على بنات جنسها:

إن النساء رياحينَ خلقْنَ لكم

وكلكم يشتهي شمّ الرياحين

أما هذه فثابتة ثبوت الرؤية، والحق أن المرأة كالرجل، مزيج من هذا وذاك.

يقول الأستاذ:« ومن مساوئ العادات النابعة من ثقافة المجتمع المتخلف قيام الكثيرين من رفاق الصبا برفس الدواجن على الأرض، ورمي الطيور بالمزارق والصراخ وراء أي أجنبي مار والتجمع حول السياح، والصراخ للمناداة عن بعد والمناداة على البضائع بدق الأتناك والطبول، وبالأجراس لمشاهدة الأفلام «المرنججة».. وأذكر زميلاً يذهب إلى مكتبة المدرسة فينتزع الصور من الكتب العلمية وحين نعاتبه يرد: وأنتم مالكم، هو حق أبوكم».

«لولا مدرسة الإرسالية التي قدمت لنا التعليم الإعدادي الذي أدخلنا إلى الثانوية ثم الجامعة وكانت خيرية مجانية لكنا مبتوري التعليم نقوم بأعمال «الكتبة» أو كما نقل عني الأخ محمد مرشد ناجي «نبيع باجية وسمبوسة».

يا ترى كم بقي من ذلك الزمن «الدويل» الذي تلاحق الأستاذ الحبيشي نتفاً من أضواء مغيبه استلَّها من الذاكرة، وهدفي من هذه الإلماحات دفع القارئ اللبيب إلى السؤال عن هذا الكتاب والاستزادة من معلوماته الشيقة فما أشرت إليه ليس سوى غيض من فيض.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s