نموذج يحتذى – الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم

الشيخ محمد بن راشيد آل مكتوم
الشيخ محمد بن راشيد آل مكتوم

منذ تولى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي رئاسة الوزراء في بلاده غير أموراً كثيرة في مفهوم الوظيفة أو الولاية العامة وجعل من نفسه قدوة في العمل المبدع المتفاني وطلب من وزرائه أن ينهجوا النهج نفسه بعد أن منحهم الصلاحيات الكاملة ومعها موازين الثواب والعقاب فمن أراد أن يكون في مستوى الاستراتيجية المحددة خطواتها وأهدافها بالمليمتر وعقارب الساعة الزمنية فله الحظوة والمهابة ، ومن رأى في نفسه قصوراً لايمكنه تجاوزه عقب فترة السماح التجريبية فليذهب إلى بيته معززاً مكرماً فمن قال لا أدري فقد أفتى ، ومن قال لا استطيع فقد أبلى ، وبهذا النهج المثابر ضمن أهداف مرئية دبت حياة من نوع جديد في الحكومة الاتحادية ، التي كانت الحكومات المحلية قد سبقتها باشواط في التحديث والعصرنة والضبط والربط ، وللحق فإن هذا من محاسن اللامركزية ،حيث يتجسد الفرق بين المتقدم والمتأخر.

ويُتوقع أن تسارع الامارات العربية الخطى كواحدة من اسرع دول العالم تنمية وأن يواكب ذلك ثورة قانونية هي ضرورة لامفر منها في زمن لايعترف بالمرتبكين العاجزين عن اتخاذ القرار يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى في «محلّك سر» وقد اعتمد الشيخ محمد سياسة الخلوات الطويلة مع وزرائه ليومين في منتجع يتدارس معهم بعيداً عن الرسميات ما تم انجازه وما ينبغي تذليله في إطار الاستراتيجية ، وكان آخر هذه الخلوات يومي الخميس والجمعة الماضيين في استراحة «ضدْنا بالفجيرة» ولأنه شاعر فلا يفوته في هذه المناسبات مخاطبة الرأي العام بما يعتبره عهداً ينبغي الوفاء به فالعمل تكليف لاتشريف وآخر ما جادت به قريحته ونشرته الصحف في أماكن بارزة هذه المكاشفة بالشعر العامي لمناسبة الخلوة الأخيرة:

بيني وبين الوطن عهد وبوفي به

وأنا معاهد بلادي أن أعلّيها

وكل شيء يوصل وما في شيء ما أدري به

ورفعة وطنا أمانة مانخليها

أريد للشعب تتلبى مطاليبه

واريد للناس تحقق أمانيها

وأن يشعر ابن الوطن بالخير ويصيبه

والتنمية تفرح الدولة وأهاليها

ثم يختم بمخاطبة الوزراء :

انتو حملتوا الأمانة ولكم الثيبة

للّي حملها وهو قاصد يؤديها

وليس سراً أن الشيخ محمد بن راشد قد بنى سمعة عظيمة كمحارب باسل للفساد الذي رأى في استشرائه سوسة ستنخر كل منجز وتشوه كل جميل ، وكانت له في هذا المجال ضربات مدوية بحجم المسؤولية الملقاة على كاهل المسؤول ، وليس على طريقة إذا سرق الفقير حدوه وإذا سرق الكبير كافؤوه ، وكان ذلك في امارة دبي قبل توليه نيابة رئاسة الدولة ورئاسة مجلس الوزراء ، حيث طرحت هذه الحرب ثمارها ومعلوم أن دبي هي العاصمة الاقتصادية للامارات وتتفوق على الصين في نسبة النمو السنوي التي تصل في بعض القطاعات إلى حدود العشرين بالمائة ، وتشهد هذه المدينة نمواً عمرانياً وتوسعياً مذهلاً في البحر والبر والفضاء تتردد أصداؤه في كل انحاء العالم لتحطيمه الأرقام القياسية التي تهز موسوعة جينيس بين انجاز وآخر كظاهرة عربية غير مسبوقة.

الشاهد هو أن عالمنا العربي يبحث عن قادة من هذه النوعية التي تحلم ثم تعمل لتحقيق الحلم والدفاع عنه ضد حزب اعداء النجاح.


مبادرة

21 سبتمبر 2007

أمام 1500 من كبار الشخصيات والمسؤولين الإماراتيين والعرب والأجانب أطلق سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم – نائب رئيس الدولة رئىس مجلس الوزراء حاكم دبي أمس الأول مبادرة عالمية لتأمين التعليم لمليون طفل حول العالم كمرحلة أولى خاصة في المناطق الفقيرة في آسيا وأفريقيا، ودعا أفراد المجتمع الإماراتي إلى دعم هذه المبادرة غير المسبوقة تحت عنوان حملة «دبي العطاء».

وحين أشارت الصحف قبل ذلك بيوم إلى أن مبادرة جديدة ستطلق سألت نفسي: يا ترى ما هي، ولمن موجهة، فلم يتجاوز توقعي المجتمع المحلي، فإن شطحت قلت: قد يكون للعرب منها نصيب كما هو حال مبادرة العشرة مليارات دولار لتنمية المعرفة الحديثة وتقنياتها للشباب العرب، ولم يخطر على بالي أبداً إطلاق مبادرة على مستوى العالم وجميع الشعوب، وهو الأمر الذي يعيد العرب إلى واجهة الرسالة الإنسانية ويعيد العربي إلى جذوره الرسالية كداعية للخير ونشر المعروف وإغاثة الملهوف على المستوى الإنساني، فمنذ انكفأنا على وجوهنا غبنا حتى عن بعضنا البعض كعرب، وتمادينا حتى غبنا عن بعضنا كمواطنين في البلد الواحد، فمن وجد الخير قال: هذا لي ولأهلي، وليس للناس والمجتمع عندي شيء، وهو ما يناقض القيم العظيمة التي دعا إليها الدين وحملتها الحضارة العربية الإسلامية إلى أصقاع الأرض فتقبلت الشعوب بطيب خاطر ومحبة وإخلاص وتفانٍ قيم الإسلام والحضارة، لأن مبدأ العطاء كان سائداً واحتكار الغنى كان استثناء مذموماً.

وقد أشار الشيخ محمد في كلمته إلى مآسي الفقر الذي يلوع الإنسانية حول العالم فذكر أن هناك حوالي 120 مليون طفل محرومين من التعليم والإلتحاق بالمدارس نتيجة الفقر وعدم توفر البنى التحتية من منشآت مدرسية وإمكانات مادية وغيرها.

والسؤال هو: إذا كانت دبي قادرة وراغبة على تكفّل مليون طفل كمرحلة أولى فكم بإمكان الدول الغنية فعله إذا ما أخلصت نواياها واعتمدت جزءاً من مداخيلهم الفائضة في هذا الإطار النبيل وكم بإمكان أغنياء العالم الذين يحصلون على كنوزهم من هذه الأرض المشتركة بين البشرية حيث لا تمطر السماء أموالاً أن يفعلوه أيضاً إذا ما أعلوا قيم الخير والأخوة الإنسانية، وقد ضرب بيل جيتس وشريكه في مايكروسوفت مثلاً ملهما في مساعدة الإنسانية حول العالم.

وقد قال الشيخ محمد أن «من يدير ظهره لآلام أخيه الإنسان لا يستحق شرف الانتماء إلى البشر» مشيراً إلى أن «التعليم يمنح الإنسان فرصة العيش بكرامة، والمحرومون منه هم خارج العصر» وهذا كلام سديد فلم تعد مساعدة الحكومات هدفاً للمانحين وإنما مساعدة المجتمعات وبدون شروط سياسية كما تفعل بعض المؤسسات الدولية التي تربط الشيء بألف شيء حتى توصل الأمور إلى عدم إعطاء شيء، ضاربة عرض الحائط بالمعاناة والضياع والحرمان، ومهدرة فرص نهوض مجتمعات خاملة وحكومات فاشلة بالعلم الذي يتحول إلى اقتصاد مزدهر وإلى كرامة إنسانية تتصل بحلقات العالم المتقدم لتكون السلسلة البشرية أقوى تماسكاً وأقرب إلى العدل.

وقال سموه وهو يحث أغنياء المجتمع على البذل والعطاء من نفوس سخية «أينما وجد الجهل، وجد الفقر والمرض والبؤس واليأس، وراجت سوق الخرافات والأوهام، وإن أسوأ ما يعانيه عصرنا هو التلازم بين الجهل والفقر» .

الشاهد أن هذه المبادرة تكشف عن أن الكامن من عوامل الخير أكبر بكثير مما يبدو في الظاهر. وإن بإمكان الإنسان لا أقول الفاحش الغنى وإنما المتوسط والواصل حد الاكتفاء أن يستغني عن لقمة إضافية ليضعها في فم أخيه الجائع، ومن جزء بسيط من دخله ليتعلم منه أطفال من ضحايا الفقر «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون».


لولا المشقة

6 يونيو 2006

يبدو محمد بن راشد آل مكتوم في كتابه (رؤيتي… التحديات في سباق التميز) مهموماً ومعنياً بصورة عميقة وملحّة بدور (القائد) في إحداث التحولات النوعية في عقول ونفوس الناس أولاً، وفي مجريات الأحداث ثانياً، وفي تقديم النموذج في العمل وفي العقول كقدوة تكون مصدر إشعاع يُلهم الآخرين، ولأنه كما قال الإمام علي “لا رأي لمن لا طاعة له”، فإن القائد لا بد أن يكون مسموع الكلمة، مهاباً موثوقاً به وبقراراته وحكمته، دون الحاجة إلى أن يستخدم العسف والتخويف لفرض طاعة عمياء تخلق أقزاماً من حوله يكيلون له المديح والثناء، فتعميه الشجرة عن رؤية الغابة، وبالتالي يفقد إتصاله بالناس ونبض الحياة، فلا يصل إليه سوى ما يريده كما يتصور الأتباع الذين يتحولون إلى ظلال بلا إشعاع، ويتقولب هو فيسهل كسره تحت ضغط الواقع الذي لا يعرف الجمود والقولبة:

“لا يوجد قالب يمكن أن نضع فيه الخصال والخصائص في النفس البشرية فنحصل على القائد، ولا يوجد قاسم أو قواسم مشتركة بين القادة، فليس كل من يولد يوم الجمعة يصبح قائداً، ولا كل من يولد مطلع الشهر، ولا كل من تخرج في كلية ساندهيرست أو ويست بوينت في أميركا، أو أي كلية أو جامعة يصبح قائداً، ولهذا أقول أن القيادة من أصعب المواضيع شرحاً”.

هذه الحقيقة البسيطة والمعروفة التي أشار إليها المؤلف هي في واقع الحياة العربية التي خبرناها وأكلناها وشربناها آناً عسلاً صبيباً وآناً علقماً مريرا، ما زالت موضع التباس، جعلت النخب على وجه الخصوص ومع الأتباع المتحزّبون والمهيّجون لا يفهمون مسألة القيادة على النحو الصحيح والموضوعي والواقعي، فهم يعتقدون أن كل حالم بكرسي بالقائد سيصبح بصورة تلقائية مدبراً لشؤون الدولة والمجتمع، وهذا وهمٌ يصرف الناس عن إمكاناتهم وأعمالهم، ويوردهم موارد الضياع، فكما أنه ليس كل من ركب الفرس قال أنا فارس، فكذلك ليس كل من لديه شهادة في علمٍ من العلوم قال أنا الجلي في المضمار:

لولا المشقة ساد الناس كلهم
الجود  يفقر  والإقدام  iiقتال

يقول المؤلف – الذي يمزج التجربة بالثقافة بالتأمل الحر غير المقيد: “إن استقرار التاريخ يعطي الإنطباع بأن القادة يأتون في أصناف مختلفة، فالشائع بينهم أولئك الذين لعب الواقع دوراً في صنعهم، ففرزتهم الأحداث العِظام عن غيرهم، وأعطاهم التاريخ المكانة التي نعرفها، والنادر فيهم من يصنع الواقع فيوجِد بحنكته وعقله ونهجه القيادي الأحداث التي يتكوّن منها الواقع وبالتالي التاريخ، والأكثر ندرة صنف من القادة المتميزين الذين لا يصنعون الواقع فقط، بل جزءاً مهماً من وجهة المستقبل وأحداثه. إن القائد يجب أن يغتنم الفرصة الكبيرة عندما يراها، فإن لم تكن قائمة فعليه أن يكون مستعداً لصنعها”.

يضرب مثلاً: “يقال إن قوماً سمعوا صوتاً يهتف بهم: “تقدّموا”، فرد القوم: “نخاف أن يدفعنا أحدٌ من ورائنا فنهلك”، فصرخ الصوت: “تقدموا”، فتقدّم الناس، وما إن وصلوا إلى الحافة حتى هرعت القيادة فدفعتهم، وإذا بالناس يطيرون وينجون من الهلاك بدلاً من أن يقعوا فيه… الخلاصة: إن القائد يرى في المستقبل أموراً لا يقدر الآخرون على رؤيتها…”


الله يقوّيكم…

7 يوينو 2006

أختم اليوم معتذراً مع كتاب محمد بن راشد آل مكتوم المعنون (رؤيتي… التحديات في سباق التميّز)، ذلك أن هذه الرؤية المعززة بالعمل الملموس والتميّز القيادي تحتاج إلى جهود إعلامية مواكبة لكي تصل إلى أذهان الشباب العرب، بناة المستقبل المُفترضين، فتجربة دبي ونجاحاتها المشهودة وجاذبيتها العابرة للقارات لم تأت من فراغ، ولم تصنعها الصدفة، ولم تكن هبة من أحد أو مؤامرة على أحد كما يجنح العقل المسكون بالأشباح إلى مثل هذه التفسيرات الهروبية، ولو كان لي أن أقترح لقلت دعوا الأجيال الصاعدة في مدارسها ومنتدياتها تطّلع – من الداخل وليس من بانورما عالية – على تجربة فردية في تجاوز أسوأ ما في الماضي مما استقر في النفوس وانطبع في العقول ولهج به منظروا التخلف، وفي اقتحام أجمل ما في الحاضر والمستقبل في تواصل سلس وناعم مع تجربة الإنسانية المتقدمة ومنجزاتها الباهرة. وقد ثبت وجود توق عالمي للمشاركة في تنمية الشرق الأوسط الذي يعد أكثر مناطق العالم عجزاً عن كسر جموده، على أن يكون ذلك – كما في تجربة دبي – ضمن أخذ وعطاء متوازن وراقٍ، وضمن مصلحة لا غبار عليها لطرفي العلاقة: انفتاح بلا عقد، وتفاهم وتفهم في أفق إنساني ينظمه القانون، حيث لا ضرر ولا ضرار، واحترام نبيل لمعتقدات كل الأجناس، وأن لا يشعر أحد أنه محجور عليه أو منبوذ أو مُحتقر، ففي هذه المدينة التي تدشّن عصراً عربياً تتعايش الثقافات وتحترم بعضها بعضاً وتأكل “العيش والملح” من عرق جبين أبنائها وحرصهم على التميز، فلا مجال للتنابلة في هذه المدينة، ولا أماكن لينام فيها كارهو العمل، فكل مدينة تختار سكانها على شاكلتها، وهل كانت بغداد في عصرها الذهبي – كملتقى لحضارات العالم – شيئاً غير دبي، إن التاريخ يعيد نفسه ولكن في مكان آخر ضمن الثقافة الواحدة المشتركة.

يقول المؤلف: “من يتحدث اليوم عن صراع الحضارات، وعن العدواة بين الإسلام والغرب، وأننا نمجد الموت ولا نمجد الحياة، فإنه لم يزر دبي ولا يعرف تاريخ قرطبة أو تاريخ كل حواضر العرب، كلهم تعايشوا مع الأديان كلها، ونحن أيضاً نفعل الشيء نفسه، ونقدم البرهان مرة أخرى على أن العيش في النهاية ما هو إلا التعايش الذي يدعو إليه الدين الإسلامي وتزهو به صفات حضارتنا”.

المؤلف الذي يعرض تجربة حيّة في طور النماء، ويفلسفها لكي تتأصل، فما لم ينعقد في الكلمة لا ينعقد على الأرض، لأن الكلمة العاملة هي العقل وهي الرؤية والعماء دونها، لم يغرر به غرور النجاح، ولم تحُل الشجرة دون رؤيته للغابة: “قلت قبل خمس سنوات إن طريق الريادة والنجاح لا يزال مفتوحاً أمام الجادين في المسيرة والراغبين في العطاء، فهذه هي البداية، وما أنجزناه حتى اليوم لا يزيد على 10 في المائة من أهدافنا، ومنذ ذلك التاريخ أضفنا إلى الإنجازات السابقة الكثير، وبدأنا عددا مهماً من المشاريع الكبيرة ضمن رؤية تمتد حتى منتصف القرن الجاري، ولكن مازلت أعتقد أن ما حققناه حتى الآن لا يزيد على عشرة بالمائة من أهدافنا، وأننا لانزال في بداية السباق الطويل…”

الله يقوّيكم…


خارج المألوف

24 مايو 2007

المألوف يشبه الطريق المُداسة المطروقة، يمكن لبعض سالكيها السير فيها مغمض العينين، ومن ألف طريقاً باغتته العلامات المستجدة، أما غير المألوف فهو اقتحام المجهول، أو شبه المجهول، ومن سلك غير المألوف وجب عليه أن يفتح عينيه على وسعهما، وأن يرصد العلامات، ليمكنه إرشاد الآخرين. ولكم كان البروفيسور كلاوس شواب رئيس منتدى دافوس الإقتصادي العالمي دقيقاً وحصيفاً حينما وصف منشئ (وقفية) العشرة مليارات دولار للتنمية البشرية العربية، صاحب السّمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بأنه “يفكر خارج المألوف” مضيفاً “إن سموه مميز في هذا التفكير وهذه الرؤية الحكيمة لمستقبل التنمية، ودعم العلم والمعرفة في المنطقة العربية، وخلق فرص للإبداع والتميّز بين الشباب العربي” وختم كلاوس في تواضع المُبدعين “لقد تعلّمت منك يا صاحب السّمو أن لا أهدر أية فرصة قد تلوح في الأفق”.

هذه قفزة في اللامألوف من التفكير العربي الذي يكثر من الكلام والتشخيص ثم يحرن مثل “حمار العقبة” عندما يشتمّ أنسام العمل، فينسى كلّ الكلام كأن لم يكن، وهذا ما جعلنا دائماً نراوح في نقطة الصفر، ذلك أن انتصاراتنا العُظمى حبرٌ على ورق ليس إلاّ في زمننا الحاضر، وحتى استشهاداتنا المفضلة من أمجادنا المعفّرة – شعراً ونثراً – لا تخرج عن أقوال أجيدَ حبكُها ودقّت صناعتها، دون أن نسأل أنفسنا عن مردودها العملي أو العلمي أو الإقتصادي أو مساهمتها في ترقية الحياة.

وقد بسّط محمد بن راشد وجهة نظره في عمله بالقول: “إن عبور الفجوة المعرفية ليس موضوعاً قابلاً للتأجيل، وليس خياراً متاحاً بين خيارات عديدة. إنه الخيار الوحيد الذي لا بديل عنه، فالمعرفة والفاعلية ترسم ملامح عصرنا، وتحدد مراكز الدول من حيث القوة والضعف، والتقدم والتخلّف، والفاعلية والجمود، والثراء والفقر، والقدرة على اغتنام الفرص أو إهدارها”.

وعن مدى الوقفية – التي ليست سوى البداية – يقول: “إن مظلة المؤسسة ستغطي كل المبدعين والمبتكرين في أرجاء المنطقة العربية”.

وعن منطلقات الرؤية استشهد بالمؤشرات الإحصائية التي قدّرت أن المنطقة تحتاج إلى 15 مليون فرصة عمل حالياً، وهي مُطالبة بتوفير 80 مليون فرصة عمل جديدة خلال العقدين القادمين، لذلك ستعنى المؤسسة بالجوانب الإقتصادية من خلال تشجيع إقامة المشاريع لخلق فرص عمل، وتفعيل شبكات لقيادات الأعمال العربية علاوة على برامج إعداد القادة”.

وستقوم المؤسسة بتأسيس مكتبة ضخمة تضم أمهات الكتب في جميع مجالات المعرفة الإنسانية مع الإهتمام بالعلوم التطبيقية، كما ستعمل على إقامة مجموعة من مراكز الأبحاث العربية، مع الإهتمام بمجالات البحث والإبداع العلمي، وسيتم تأسيس صندوق خاص لدعم عمليات الترجمة للمساهمة في نقل المعارف والعلوم الحديثة إلى العالم العربي.

ولأعداء النجاح – ممن يشيرون دائماً إلى النصف الفارغ من الكأس – يختم محمد بن راشد بالقول: “أعرف مشاعر الإحباط الناجمة عن الإخفاقات السياسية والإقتصادية في عالمنا العربي، ولكن ذلك يجب أن يكون حافزاً إضافياً للجد والإجتهاد والإبداع والإصرار على النجاح، وينبغي أن نتحرر من الإحباط واليأس، وأن نتسلّح بالتفاؤل والأمل”.

وقديماً قالوا: “بدلاً من أن تلعن الظلام أشعل شمعة”.


شمعة في الظلام…

25 مايو 2007

أرى لزاماً عليّ وعلى الزملاء الكتـّاب في الصحافة – مهما اختلفت اتجاهاتهم ورؤاهم – أن نقوم بواجبنا القومي في التبشير بالمستقبل الذي نأمل – رغم كل شيء – أن يكون واعداً ومشرقاً، وهو لن يكون كذلك بلمسة سحرية “كن فيكون”، فهذا لله تعالى وحده وليس للبشر مهما علت منازلهم، فبالعمل وبالعمل وحده مقروناً بالتفكير الصحيح تشرق شمس الحقيقة البشرية المعاصرة لأمة تجد نفسها وهوّيتها بين أمم العالم كما تُحبّ وترضى أن تكون، وبدون ذلك فليس أمامها سوى معجميعات (شمس المعارف الكبرى)، وهو كتاب ربما سمعه عنه أكثركم، يروّج للسحر الأسود، ويُذهب عقول قوم غرقوا في أحابيله وأكاذيبه ودسائسه الساذجة، فاختفى العالم المادي والأخلاقي من أخيلتهم، وبرز بدلاً منه عالم من الوهم ومطاردة الأشباح وتلقي الضربات منها، فلنترك هؤلاء في غيّهم وأوهامهم ولننظر فيما يمكن انتهاجه من مناهج جديدة علت بها أممٌ وهوت أمم أخرى لم تأخذ بها، وربما لم تنظر فيها أصلاً، مع أنها منتجٌ بشريّ متاحٌ لكل ذي عينين ولسان وشفتين.

وأجدني اليوم – استمراراً مع مقال الأمس – أقف بإكبار واعتزاز أمام المشروع النهضويّ الذي أعلن عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة أمام منتدى دافوس الإقتصادي العالمي، وذلك بتخصيصه وقفية قدرها عشرة مليارات دولار لإنشاء (مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للتنمية العلمية والثقافية)، والتي اعتبرها البروفيسور كلاوس شواب رئيس المنتدى “الأولى والأكبر في العالم العربي والإسلامي”. وفي الإعلان عن الوقفية الذي نشرته جميع الصحف العربية ورد أنه “إيماناً من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بضرورة تطوير البُنية الأساسية للمعرفة، وفتح أوسع الأبواب أمام المبدعين والمفكرين العرب، فقد أوعز بإنشاء مؤسسته الرائدة للتنمية البشرية بوقف قدره 10 مليارات دولار”. وتتجلى رسالة المؤسسة في دعم العقول والقدرات العربية الشابة، وإنشاء مراكز الأبحاث العلمية، وبعثات الدراسات العليا في أعرق الجامعات والمعاهد العالمية”. ويختتم الإعلان غير المسبوق بالقول “وتلك هي البداية” والتوقيع: (مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم).

ولأنني أعتبر نفسي واحداً من كثيرين يتابعون تحرّك هذا العقل العربي غير المألوف في عالم (المألوف) العربي الذي لا أرضاً قَطَعَ ولا ظَهراً أبقى، فإنني أجد هذه الخطوة الأخرى وليست الأخيرة تنسجم تماماً مع التوجه الحضاري لهذا القائد الذي جعل من إمارة دبي مناراً للتنمية والعلم والمعرفة، واستقطب أكثر من ثلاثين جامعة عالمية لفتح فروع لها في قرية المعرفة بدبي، كما ولج بثقة ليست كلامية فحسب لإنشاء وادي السيليكون لتصنيع مكونات الثورة الرقمية واكتساب الخبرات عربياً، وهكذا في كل مجال حيث رفع شعار “الأوائل على العالم”، حيث التاريخ لا يَسأل عن الثاني والثالث وإنما عن الأول فقط.

الرجل المأخوذ بالأندلس العربية وما مثلته في نهضة أوروبا، وانطلاقة التنوير الحديث كما يبدو ذلك جلياً في كتابه المرموق (رؤيتي)، والذي ينبغي قراءته من قـِبـَل كل مهموم بمستقبل العرب، يحاول الآن بكل ما أوتي من طاقة وموهبة وثروة أن يعيد أمته إلى طريق الإبداع لتكون أعينها على ما لم تقطعه، أما ما قطعته فلا ينبغي أن يكون عائقاً أبداً.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s