علي محمد سعيد – كان في مزاج الكلام

كان في مزاج الكلام قابضاً على جمرة الوقت القديم، وقته هو، والوقت الذي يزداد صفاءً وألقاً تعتق، الوقت الذي يبهج الروح التي انعتقت منه لتسحر به، إنعتقت بشق مجراها الخاص فيه ليصبح زمنها، وانسحرت بدفء ذلك الإبحار الذي قادها من قرية منسيّة إلى أعالي البحار. كان حقاً في مزاج الكلام، وكانت جبال (شرعب) تبدو على البعد مضاءة بالبرق يلمع على ستارة من مزون الأمطار… وكنت أصغي.

يغمض علي محمد سعيد عينيه ليصغي إلى ثغاء الصفقة الأولى المؤسسة للإمبراطورية، وكانت قطيعاً من الغنم اشتراه بمعيّة (الشيخ عثمان)، وكان سعر الجملة في حدود الألف روبية، مبلغ كبير في ثلاثينيات القرن الماضي، ومغامرة تستحق الإعجاب. عبر القطيع براعِيَـيْهِ الحدود ووصلا – بعد أيام – إلى حيث كان المالكان ينتظران، وتمّ البيع بفائدة ثلاثمائة روبية بعد اقتطاع المصاريف، والأغنام التي نفقت في الطريق الوعر، وبذلك المبلغ تم استئجار وافتتاح الدكان الذي أصبح شهيراً فيما بعد في شارع الصّعيدي الموازي للشارع الرئيسي بالمعلا عدن. كان الشّابان الحالمان ينامان على “قعائد حبال” مستأجرة، ويقضيان حاجاتهما في المسجد المجاور، ومرة في الأسبوع يحظيان بقطعة من اللحم لكلّ منهما، ولم يترك الحاج علي عمّه لفتح عمل في الحديدة في الخمسينات إلا بعد أن انضم إلى فريق العمل أحمد هائل سعيد الشاب البازغ آنذاك.

الثقة والأمانة والوفاء، ثلاثيّة النجاح في العمل، فكل ما في السوق من بضائع يعرض نفسه عليك: “شبّيك لبيك عبدك بين يديك، ما دمت موضع ثقة وأميناً في تعاملك ووفياً فيما تتعهد به”. يقول الحاج علي: “أي مشروع تتعهد مجموعة السعيد وتبيع جزءاً من أسهمه يشهد إقبالاً منقطع النظير بلا سؤال أو جواب”. يتذكر: “حين فتحنا أول مصنع في تعز ربّما في حدود مائة عامل ضحك رئيس الوزراء آنذاك وهو يعتذر عن الافتتاح بقوله: “أتظنّون الصناعة يُعبّر عنها بمثل هذا المشروع”. اليوم يعمل في المصانع ثمانية عشر ألف عامل على مدار الساعات الأربع والعشرين، ونحن نعتبرهم شركاء، نوفّر لهم كل ما يحتاجونه كأننا أصحاب بيت واحد. وكل عام تلد المجموعة مصانع وأعمال جديدة دون دعاية فسياستنا يمكن تلخيصها بعبارة “الإنجاز في صمت”، وآخر العام سيبدأ انتاج أكبر مصنع لإنتاج الأسمنت، هل سمعت عنه شيئاً؟ لا أبداً…

كان في مزاج الكلام، والبرق لا يزال يرسل رسائله من شرعب، تحدّث باعتزاز شديد عن رعاية العمال وعوائلهم وبالتفصيل، وماذا تحدث إليهم في ذلك اليوم، وخلاصته أنه “لا فرق بيننا وبينكم، فجميعنا نأكل من صحن واحد ينبغي أن نحافظ عليه وننمّيه” يلتفت الشيخ الثمانيني إلى نفسه، يعرف أنه لا يكاد يستقر، حركة دائبة “ذلك دأبي منذ عرفت نفسي، أخرج في مشوار إلى السوق في الحديدة فأجد نفسي في تعز…”، اليوم اتسع العالم، وشلّني يا بوجناحين…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s