كل خميس:دولة الجامع..

ليس هذا المقال في الاسلام السياسي كما قد يتبادر الى بعض الاذهان من عنوانه ذلك ان الاسلام المسيس قد ولغ فيه كثيرون ولكل حسب نيته، فمن كانت نيته الى الله، فالى ما نوى، ومن كانت نيته الى دنيا ينالها او امرأةٍ يستنكحها، فليس سوى متوسلٍ ببريقٍ الى حريق، كغريق يتعلق بغريق،

وقد تعب الناس من كثرة الوعود، وضآلة المحصود، والغش في المجهود «من غشنا ليس منا»، وماذا نقول اكثر مما قالوا، ويبدو ان زمن الاسئلة قد حان بعد ان تم استنزاف جميع الاجابات، ولا بد من الوصول الى النبع، ومن قصد البحر استقل السواقيا، كما يقول أبو الطيب المتنبي، ولان تصل متاخر خير من ان لا تصل ابدا، وفقاً للمثل المعروف، وفي هذا المفصل تتجلى شجاعة الشجعان من اهل العرفان واهل البرهان الذين يصولون على خيول الديمقراطية باللسان لا بالسنان، ولن تنفذوا الا بسلطان، يشاكل العصر والزمان.

المقال قصدت به «دولة الجامع الكبير» في صنعاء القديمة فهو سلطان الجوامع زماناً ومقاماً، وبركة واحسانا، ومن قصده تتنزل في روحه السكينة والطمأنينة، وينسى الدنيا ومغرياتها المهلكة، ودروبها الوعرة، ولو لهنيهات كانها من روح الجنة:

قد يهون العمر الا ساعة

وتهون الارض الا موضعا

ومن يقرأ القصيدة الحمينية البديعة عن مساجد صنعاء وشكاواها الى الجامع الكبير لعلي بن الحسن المعروف ب«الخنفجي» والذي عاش بصنعاء وتوفى عام 1180هجرية، والذي عرفه المحقق أحمد حسين شرف الدين بقوله: عاش بصنعاء فيما يعرف ببئر العزب، والتي كانت تسمى حينذاك «نزهة صنعاء»، وكان منزله المعروف ب«السفينة» ماوى للادباء واللطفاء ومحط رحال الظرفاء، وكانت بينه وبين ادباء عصره مطارحات ومسابقات لمعارضة القصائد الشهيرة المعربة والملحونة، بقصائد هزلية، وقد جمعها بعضهم في مجلد لطيف سماه «سلافة العدس وزهر البلس».

القصيدة المشار اليها «شكوى مساجد صنعاء» مليئة بالظرف الذي لا يبليه الزمن، ولا يمله اصحاب الفطن، وفيها نقد لاوضاع الاوقاف وحالة المساجد المزرية التي تحدثت واحداً اثر الاخر تشكو حالها الى الجامع الكبير لكي يتفضل بشيء من فائض دخله لاصلاح ما افسده الزمن، او على الاقل يكون شاهد عدل، او قاضٍ بيده الميزان على طريقة «هذا اليك واسمعي يا جاره» واذا كان ذلك حال المساجد وهي بيوت الله، فقس على ذلك باقي المرافق العامة التي هي كالجسد الواحد، وكان الشاكي الفصيح الذي جار قبل الآخرين على لسان شاعرنا «الخفنجي» هو مسجد حارة البونية بصنعاء المسمى «عدِّل» بتشديد وكسر على الدال:

يقول «عدِّل» والسلام تحية

تبلغ الى الجامع بحسن نية

من حين يصل يشرح له القضية

يقول «عدِّل» قد معي شكية

الأولة تعمر لي المطاهر

والثانية تامر بمسرة البير

فالريح في المصفا بتنفخ الكير

ولا معي قنديل للعشيه

وجدري الشرقي قده مهدف

الله يصونه لا يزيد يودف

ولا معي صاحب ولا معرف

واسأل بذا «قارش» و«الاشرفية»

وعلى هذا النسق الجميل يكون الرد الحادب من الجامع الذي يخرج بنفسه لتقصي الحقيقة فتتسامع مساجد صنعاء فتاتي بصحبة المصلين فيها للسلام عليه وتقديم شكاواها، لكان دولة الجامع قد حلت انذاك محل دولة الامام الذي غفل عن واجباته.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s