تأملات…

في واقع الحياة، وحياة الواقع المُعاش، ببشره، وتقاطع مصالحهم، وتنوّع أهواءهم، وتزكية كل واحدٍ لنفسه وأهله وعشيرته دون الناس أجمعين، فإن الكثير من المشاكل المُلتهبة أو الكامنة تحت الرماد، تحمل بصمات متراكمة من التحديات المُعلنة أو المُبهمة، حتى تأتي القشة التي تقصم ظهر البعير، فتصبح الخلافات بؤر التحام واقتحام، ومصاولة ومطاولة، تتأبى على العقل والعقلاء، فتُترك لتفاعلها حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. والبشر بطبيعتهم محجوبٌ عنهم رؤية الماورائيات، وهذا سرّ دأبهم إلى معرفة تتجاوز المنظور وتكشف جانباً من المستور، وكلما خيّل لهم أنهم نجحوا في إزاحة ستار وجدوا خلفه ستاراً آخر، وكلّما أجابوا على سؤال، ولّد لديهم أسئلة أخرى، ويبدو أن متعة الصراع مع النفس ومع الغير ومع المحجوب هي سرّ الإرتقاء البشري المعرفي، وهي الإستجابة للتحديات التي شخّصها المؤرخ العالمي (توينبي) كأساس لنشوء الحضارات وانهيارها، فكلما كانت الإستجابة كابحة لهجوم التحدي كان النصر ومن بعده الإندفاع إلى الأمام، وكلما كانت الإستجابة دون التحدّي، كانت الهزيمة ومن بعدها الإنكفاء والذبول والتعلق بالأوهام، وهذا من الأمور المشاهدة، ففي عالمنا وعلى مختلف المستويات نرى التحدي والإستجابة يعملان ليل نهار وفي كل المجالات من الدول إلى المنظمات إلى الأفراد، بما يجسّد قوله تعالى {وتلك الأيام نداولها بين الناس}، فلولا هذا التداول ضمن القوانين الطبيعية فإن الحياة تركد ثم تفسد ثم تتلاشى، وفي هذا الإطار، فما من أحدٍ لا يسيء قط، وله الحسنى فقط:
من ذا الذي ما ساء قط=ومن له الحسنى فقط
إن الأمور جميعها نسبية، والعاقل كما يقول الإمام علي بن أبي طالب “ليس من يميّز الخير عن الشر، وإنما من يميّز الشرّ عن الشر”، أي أن هناك درجات في مدارج الخير، ودرجات في مدارك الشر، ولذلك يُنصح بالأخذ بـ “أهون الشرّين” عندما لا يكون معروضاً سوى الشر حسب الظاهر، أمّا في قابل الأيام فيما يدري أحدٌ أو يستطيع الجزم بالمآلات، فقد ينتج عن الشر خيرٌ عظيم، وقد يلد ما يُظن أنه خيرٌ شراً كبيراً. فأصحاب الأموال الطائلة – على سبيل المثال – يعتقدون أنهم يعوّضون حرمانهم في التيسير على أبنائهم، وتجنيبهم متاعب الحياة، فينشأون مرفّهين لا يعرفون سوى كلمة “هات”، وتغيب عن أفهامهم موهبة تنمية المال، بعد أن يتلهّوا بصرفه حتى يجدوا أنفسهم ذات يوم – ليس ببعيد – وقد أفنوا ما ورثوا، وإذا هم مبلسون، فإذا عادوا إلى الميدان وجدوا أمامهم الجياد الجامحة التي لا يستطيعون مقاربتها، ناهيك عن امتطائها، فينكفئون ليتسوّلوا ما يسدُّ رمقهم و “رحم الله زمان اللبنِ” كما يقول نزار قباني، وأصحاب السلطة الطائلة قد يستخدمونها استخداماً جائراً، فتنزع عنهم فلا يستطيعون العودة إلى الصفر لتشييد ما كان مشيداً وانهدم، فتجدهم يقضّون ما تبقى من أعمارهم حسرات، يرددون مع أم أبي عبدالله الصغير آخر ملوك الطوائف بالفردوس المفقود (الأندلس): “ابك مثل النساء، ملكاً لم تحافظ عليه مثل الرجال”.
كنت مع جرائد الصباح أتأمل مصير ذلك الرجل الذي لم يُحسِن في يومٍ من الأيام، وهو الأميركي الكريه بول ولفويتز رئيس البنك الدولي، والذي أُجبر على استقالة مذلة لحقت بمذلته الأولى في البنتاجون، ولم يعد من عمل للرئيس بوش سوى محاولات اللحاق ببطانته الأولى، لتنظيف ما يمكن تنظيفه من صفحاتهم السوداء… كان الله في عونه!!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s