لا ناقة ولا جمل

أنهى ديك تشيني جولته الشرق أوسطية أمس، ولا أدري إذا كان قد عاد إلى واشنطن بخُفّي حُنين أم بدونهما ، فقد أصبحنا وأصبح الملك لله، عقب ليلٍ طويل من التخبط الظلامي، والعسف والقصف، والإبراق والإرعاد منذ غزو العراق الذي صعق العالم، فلم ينبس أحدٌ ببيت شفة، حيث بدا الوحش قادراً على التهام أيّ شيء وكل شيء، أما اليوم فإن الزمن قد دار على عقبيه دورة كاملة، وأصبح الغازي يبحث عن مخرج عبر طرقٍ جميعها مسدودة تقريباً، ووضعه الآن مثل وضع شمشون الجبار إذ يهدد بهدم المعبد على رؤوس الجميع إذا لم يخرجوه من ورطته، يعني على حد المثل “أعور ويتنقور”. وتكفي نظرة فاحصة واحدة على وجهي بوش وتوني بلير لتكشف عما لحق بهما من إذلال جراء الحرب الظالمة، وسهام الأسحار التي انطلقت إلى نحريهما من أمّهات العراق الثكالى والأطفال اليتامى والشباب المعفّرين بدمائهم، تُرمى جثثهم كل صباح إلى مقالب القمامات، كعلامة ممهورة بالنسر الأميركي على الزمن الجديد والديمقراطية الوليدة والرخاء الموعود. وقد تعلم العالم عبر السنوات الأربع الماضية درسين: حقيقة النوايا الأميركية الفاجعة المغلفة بادعاءات إنسانية مجافية لما في الضمائر السوداء، والأمر الثاني: أهمية المقاومة وفاعليتها لأنه “لا يفلّ الحديد إلاّ الحديد”.
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه=يضرّس بأنيابٍ ويوطأ بمنسم
والعرب تعلموا درسين أيضاً، وإن لم يستوعبوهما بعد، الأول: إن انصياعهم للمخططات الخارجية لن يعود عليهم إلا بالبلاء الأزرق، فالأجنبي سيرحل حينما تندلع النيران في ملابسه، أما صاحب الدار والعيال فأين المفر؟ والثاني: أن سياسة الإنتظار والمراهنة على الزمن الذي يأسوا كل الجراح لم تعد في عصر القرية العالمية سوى سياسية غفلة مركبة، لأن حراك الأحداث قد أوشك أن يدخل في السرعات الضوئية، فالنار قد تُشَبّ في ثوان من بعد آلاف الكيلومترات، فقد ولى زمن الأثافي وثالثتهم، وجاء زمن الإنترنت الذي يرى الناس فيه من أنفسهم ما كان مغيّباً، ومن عالمهم ما كان محجّباً، فمن لم يستتر بالفضيلة فلن يحصل حتى على ورقة توت يغطي بها عورته.
عودة إلى نائب الرئيس، أو رجل المهات الصعبة كما يحلوا له أن يُسمّى، وقد حمل في جيبي الحاوي أرنب القوة النووية الإيرانية المفترضة، غاضاً النظر عن القوة الإسرائيلية النووية المحققة، أما الأرنب الثاني فهو خطر القاعدة التي تريد تنظيم “دولة إرهاب” في العراق للهجوم على دول الجوار، وفي كلا الأمرين مغالطات فاضحة، فالأمريكان هم الذين يشجعون إيران – أدركوا ذلك أم لم يدركوا – على سلوك المسالك التي سبقهم إليها الهنود والباكستانيون من دول الجوار، وذلك بمحاصرة طهران وعزلها والتحريض عليها، وقد قرأ الإيرانيون فيما قرأوه أن واشنطن لا تفهم غير لغة القوة، وقد رأوا ذلك عياناً بياناً في العراق، فكتموا ما في أنفسهم بيقين العارف، وأما القاعدة فمن الذي جلبها من جبال تورا بورا وكان قد قبل ذلك قد أنشأها ودرّبها أحسن تدريب في الحرب البادرة/الساخنة التي أسقطت السوفييت، وكان انسحاب السوفييت من أفغانستان هو آخر مسمار في نعش الإمبراطورية، أليسوا الأمريكيين من فعل ذلك؟ إذا كانت واشنطن تريد الخروج فالطريق أمامها، وإذا كانت تريد الولوج ضد إيران فالباب يتسع لجمل، أما العرب فلا ناقة لهم ولا جمل.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s