قم للمعلم..

يوم الجمعة.. صحوت مبكراً على موسيقى المطر وهي تعزف لعدن ألحان العيد الكبير، فرحت فرحة طفل بالعيدية ونفضت عني بقايا النوم سريعاً لألتحق بموكب الرّشَاش المتهاطل، هذه عيديتي التي جئت من أجلها في هذا الشتاء من سفر بعيد. أخذت سيارة ابن أخي وسام النقيب وأخذت أجري وراء المطر عبر الطريق البحري. أنصتُّ لوشوشة المطر الناعم في أذني البحر الهائج. لم أتبيّن سر غضب الأمواج إلا أن يكون عتب المحب على الحبيبة وقد طالت غيبتها، وكتب الجغرافيا تجمع على أن عدن هي البقعة الأقل مطراً في قارة آسيا بأسرها. ولطالما حدثني صديقي علي صالح محمد عن السحابة التي لا تفارق سماء جبل شمسان ولكنها لا تمطر، ويضيف أن أحد الخبراء قال له إن شمسان لو استطال ارتفاعاً مائة متر إضافية لتمكن من اصطياد جميع السحب العابرة ولاخضرّ عنذئذٍ كجبال إب، كنا نحلم بالمطر ووعوده التي سرعان ما تتلاشى كوعود العاشقات الخائفات:

 

ما أنت والوعد الذي تَعِدِيْنَهُ

 

إلا كبرق سحابة لم تُمطر

وصلت إلى (كريتر) ومشيت في شارع (الميدان) تحت المطر وأنصتّ للجبال البركانية وهي تشرب هبات السماء وتهب ما فاض إلى (الصهاريج) الدهرية المنحوتة في الصخر على سفح شمسان المطل على (الطويلة)، ثم مضيت إلى شارع (الملكة أروى) في طريقي إلى (المعهد العلمي الإسلامي) الذي وجدته مغلقاً، ولكن روائح المطر الممزوج بروائح البحر القادمة من صيرة أعادتني إلى أيام الدراسة، وإلى أستاذنا العزيز عمر سالم طرموم الذي كان له منهج مختلف عن كثير من الأساتذة، فقد كان يعطي وقته كله لطلبته عن طيب خاطر وإيمان عميق بأهمية تربية جيل قوي متفتح، وكثيراً ما كان يعلب معنا الكرة في ساحة المعهد الخلفية فـ (العقل السليم في الجسم السليم) وربما كان استلهامه هذا من قراءاته لـ (الاخوان المسلمين) الذين أولوا هذا الجانب عناية فائقة في أدبياتهم وتنظيماتهم الشبابية، وكان الأستاذ طرموم صديقاً للتلاميذ يمد يد العون كأنهم أبناؤه من صلبه، ولم يكن يعتمد (التّقية) فيما يؤمن به ولكنه أيضاً لم يكن يجهر كل الجهر فقد تشرب أهمية الصمت الفعال والحكمة النبوية «استعنيوا على قضاء حوائجكم بالكتمان» ولأنه أيضا كان يسبح في بحر مليء بأسماك القرش من كل صنف ولون ولم يكن هناك معرض مثل المعهد الإسلامي لتيارات تلك الفترة من ستينات القرن الماضي حتى أن الإنجليز قد حاروا على ما أوتوه من العلم في هذه الفرق التي انشقت عنها الأرض وراهنوا أخيراً على تركها تلتهم بعضها البعض فقد امتلكت وسائل كثيرة للقوة ولكنها افتقدت النضج السياسي والقدرة على إدارة الخلافات فكانت كالديناصورات المنقرضة لا تصل الرسالة من مخها إلى أطرافها المقاتلة إلا بعد فوات الأوان، وقد سيطر (القوميون العرب) على الساحة فقالوا للناس وبقية الحركة الوطنية ما قاله المتنبي لناقديه وحاسديه: أي محل أرتقي.. أي عظيم أتقي .. وكل ما قد خلق الله وما لم يخلق.. محتقرٌ في همتي.. كشعرة في مفرقي.. أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.

 

قال لي أحد عقلائهم: لقد هزمنا عشية الاستقلال بانفرادنا بالقرار واحتكامنا إلى القوة، ولم تكن هزائمنا اللاحقة سوى الثمار المرة للهزيمة الأخلاقية الأولى.. كان أستاذنا عمر طرموم أحد الضحايا وقد جرى اقتياده إلى سجن المنصورة وكان سجانه من تلاميذه فلم تأخذه به شفقة حتى تفتق ذهن (عمر جاوي) الخلاق عن مخرج فعرض على وزير الداخلية محمد صالح مطيع إطلاق سراح الأستاذ ليتفرغ لكتابة تاريخ الحركة الوطنية في لحج، ذلك أنه هو الذي بنى السجن حجرة حجرة حين كان معتقلاً أيام السلطنة، وقد ذهبت مع عمر إلى السجن وعدنا وفي يدينا الطير الأسير الذي حلق بجناحيه عابراً الحدود إلى الحديدة و.. قم للمعلم وفّه التبجيلا.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s