عالم السفاري..!!

التبس معنى (السفاري) على كثير من الناطقين به، أولاً لأن الكلمة دخلت كل لغات العالم، وقد اتسع معناها فأقلع من عالم الغابات ومخاطرها وارتياد آفاق المجهول عبر صحاري أفريقيا ليستقر في عالم (البزنس)، ويشير إلى كل ما له علاقة بالسفر.

وقد اتخذ الصينيون أيام الزعيم الأشهر (ماوتسي تونج) من البدلة السفاري المعروفة مرادفاً لهم، فلحقهم خلق كثير في العالم وجدوها مناوئة للبدل والكرافتات (الامبريالية) في عالم منقسم يزايد فيه الأغنياء بغناهم، ويزايد فيه الفقراء بفقرهم.

ومع ذلك فإن كلمة (سفاري) الأصلية الحاملة لروائح الغابات وزئير الأسود وقطعان المها والحمر المخططة (الزيبرا)، وتلك الأعلام الخفاقة لرقاب الزرافات تحف بها قطعان النعام التي حار في أصلها وفصلها الشاعر العربي فقال: “مثل النعامة لا طيرٌ ولا جمل”. وللمصادفة فقد وجدنا جملاً يتيماً في (عالم السفاري) بالعاصمة التايلاندية، وكان يركض كأي مسكين في بيئة غريبة مع قطيع الزرافات، ولكنه كان فعلاً “كاليتيم على مائدة اللئيم”، وقد تعب أخيراً من تلك الرفقة المجحفة، فأخذ يتمرغ في التراب، غير سائل بمن جاء أو رحل من تلك الحيوانات التي لم يألفها ولم تألفه.

على كل حال فإن كلمة (سفاري) لا تستطيع أن تتكتم على أصلها العربي، وفي تقديري دونما رجعية أنها وفدت إلى الإنجليزية وعبرها إلى لغات العالم من اللغة السواحلية التي نعلم جميعاً أن لبانها من العربية بما يفوق نصف المحصول، وما تبقى “شذر مذر” من لهجات قبلية سادت ثم بادت في مجاهيل أفريقيا، وذلك هو حال لغة (الأوردو) في (الهند) و (باكستان) وكذلك (الفارسية) الحديثة، حيث المفردات ذات الأصول العربية تصل إلى حوالي النصف مع القبول بالتحويرات النطقية التي لا مفر منها ولا مناص. ولأن اللغة هي أساس الثقافة فإن ذلك يعني الكثير ضمن المجالات الحيوية للأمم، وهو ما يبدو عديد المثقفين العرب بعيدين عنه كل البعد، إذ يعوزهم قدر من الخيال الذي قاد الرحالة الأقدمين لطيّ العالم، وقد اصبحنا نجد اليوم من ينظر إلى من يكتبون عن تلاقح الحضارات تقارباً وتباعداً على أنهم يحومون حول الحمى المحرّم، مستندين إلى الحكمة “من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه” وذلك مجال آخر لا علاقة له بما نعنيه، ولكنه الخلط الذي يأخذ بالنواصي والأقدام، فيجعلنا في مؤخرة ركب الأمم نطلب السلامة بالإنكفاء، وندعي العصمة والريادة بالانتماء إلى عصرنا ومتطلباته، وكأننا – ويا للأسف – (أم الخيار):

تسألني أم الخيار iiجملاً
يمشي رويداً ويكون أولا

وكيف للجمل المسكين أن يمشي رويداً ويكون الأول إلا في الأحلام.

في (عالم السفاري) الرائع رأينا تعايش آكلات النباتات تتحلق مع اقتراب المغيب حول بحيرة عظيمة… آلاف الطيور الصادحة، ومئات من ذوات الأربع الباغمة، وقطعان من الفيلة، ووحيد القرن، والمها اللواتي آثرن أشجان (علي بن الجهم) إن لم تخني الذاكرة:

عيون  المها  بين  الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث ندري ولا ندري

وقل في ذوات المخالب والأنياب مثل ذلك، وإن كانت أقل شاعرية، وأكثر انطواء وعزلة.

أما الحروف الزائدة في (السفاري) عن (السفر) فتنطبق عليها القاعدة البلاغية من أن الزيادة في المعنى تقتضي الزيادة في حروف المبني، فالسفر كلمة مجرّدة مطلقة لا تتخصص إلا إذا أراد ناطقها أو كاتبها، أما (السفاري) فلها ظلال وإيحاء وأصوات عِذاب، وقد تموسقت وتلينت فقبلتها كل لغات العالم… إلى الغد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s