نجوم عدن : هائل سعيد أنعم

هائل سعيد أنعم
هائل سعيد أنعم

كثيرون لا يعرفون أن عملاق المال والأعمال في اليمن المرحوم هائل سعيد أنعم، قد طور امبراطوريته العابرة للقارات من بقالة صغيرة في المعلا بعدن، نمت مثل حبة قمحٍ أثمرت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، ثم ضاعفها الله بعبقرية هذا الرجل الخير ونواياه الطيبة التي تأتي أُكُلها الجميل للعموم إلى ما شاء الله، حتى لم يعد بمستطاع أحدٍ اليوم أن يقول أين حدود تلك الامبراطورية التي تنظر إلى السحب العابرة مثل هارون الرشيد فتقول لها: أمطري حيث شئت فإن خراجك آتٍ إلي.

ومع ذلك فلقصة الحاج هائل قصة أخرى أبعد من قريته «قرض» بالأعروق من محافظة تعز، حيث بدأ حياته مع أبيه وإخوانه في حياكة الملابس، فقد هاجر عام 1923م إلى مرسيليا بفرنسا، وعمل على باخرة في مجال تغذيتها بالفحم الحجري لمدة عام، ثم في ورشة للزيت لمدة شهرين، ثم لعشر سنوات في مصنع فرنسي، حيث تجلت مواهبه وقدراته التي أوصلته إلى وظيفة مشرف على العمال في فترة قياسية لإخلاصه وتفانيه في العمل، وقد علم وهو بعدن في إجازة أن المصنع قد جرى بيعه لشركة أخرى، فشمر عن ساعد الجد وسافر إلى الصومال وكيلاً لإحدى الشركات الأجنبية العاملة في مجال الجلود، يساعده ابن أخيه علي محمد سعيد، وذلك لمدة عامين عاد بعدهما إلى عدن في 1938م.

إذاً فالبقالة الصغيرة في المعلا التي بدأ بها مرحلة الاستقلال الذاتي والعمل مع النفس بدلاً من الغير، كان وراءها خبرة كبيرة ورؤية واسعة لعالم الصناعة والتجارة وإرادة فولاذية لرجل لا ينقصه حس المغامرة المحسوبة والاقتحام الجريء واغتنام الفرص المواتية بالعمل الدؤوب والاستقامة والنزاهة، التي ميزت حياته وكانت رأسماله الأكبر في مسيرته الحافلة.
أخذني ذات يوم زميلي بالمعهد العلمي الإسلامي في «كريتر» محمد ناشر عبدالرحمن، وكان من أنبه التلاميذ، وفي «الشقاوة» وتدبير المقالب يشار إليه بالبنان، وذلك في حوالي عام 1960م قائلاً: «تعال نشوف الحاج هائل، بس من بعيد»، وقد مكثنا لوقت طويل في ركن الشارع الخلفي في المعلا حتى رأيناه خارجاً بمشيته المتواضعة، طارحاً على رأسه الكشيدة الناصعة البياض التي عرف بها دون أن تكون معقودة، وتلك من علامات التواضع، وقد أخذ الناس في الشارع يسلمون عليه، فقد عرف في مختلف الأوساط بحبه للخير ومساعدته للناس، وقد تجلت روحانيته بعد ذلك في عمارة المساجد والوقف عليها وتشييد المدارس، وفي وقت سابق من هذا العام حين زرت بعض مصانع مجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه في «الحوبان» بتعز، كانت صوره المعلقة على الهيئة نفسها التي رأيته فيها في ذلك اليوم البعيد في الزمن، القريب في القلب.
كان اسم الحاج هائل قد أصبح رمزاً للنجاح والعصامية والموثوقية والصدقية، وكان من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، فلم يداخله غرور النجاح ولا سطوة المال ولا بريق الجاه، وقد اختار الإيثار على الأثرة في إدارة العمل، ففجر مواهب الشركاء من الجيل الأول، وأبدع الجيل الثاني أيما أبداع، فقد كان النموذج الملهم للحاج هائل يضيء مختلف جوانب العمل، لذلك أصبحت «المجموعة» من أنجح الشركات العائلية على مستوى جزيرة العرب وهي تحوز على عمالة مخلصة أقرب إلى النموذج الياباني، الذي يقدم الرعاية الكاملة والضمان شبه المستديم كأن العمال شركاء.
جانب آخر في حياة الحاج هائل، ربما لا يعرفه إلا قليلون، فقد جاء في سيرته أنه التقى في فرنسا بالشيخ المجاهد عبدالله الحكيمي وأخذ عنه الطريقة الصوفية العلوية، التي عشقها ودعا إليها وعمل على نشرها في أوساط الجاليات الإسلامية.

هذا الجانب يضيء الروحانية العالية التي تجلت في سيرة الحاج. رحم الله الحاج هائل سعيد أنعم وجزاه خيراً على كل أعماله الطيبة.


قد يختلف اليمنيون على أي شيء وحتى على كل شيء إلا على الحاج هائل سعيد أنعم، رجل الأعمال والبر المعروف، الذي عبر تاريخ هذا الوطن كالنسمة، وعطّره كالزهرة، وأسعده كالبسمة، وكان في عدن حيث البداية والتأسيس مرموقاً، وفي صنعاء والحديدة موثوقاً، وفي تعز عملاقاً مثل أعمدة (هرقل) على بوابات جبل طارق، واليوم يعبر في أولاده وأحفاده التخوم، إلى آسيا وأوروبا ليعيدوا أسطورة اليمني الذي طمح ويطمح لمحاورة النجوم، ومخاطبة الغيوم ثقة في النفس، وتأكيداً للأمس، وتطلّعاً إلى الغد.

“والله… لم أسمع أحداً، على كثرة ما سمعت، يتكلم في سيرة هذا الرجل الذي بنى امبراطوريته بصمت، وزكّاها بالأخلاق، وأينعها بنظام، حتى قيل أنه استحضر أخلاقيات المؤسسات العظمى في أوروبا وأمريكا والتي تدوم مئات السنين لأنها تسير على العدل والإنصاف، ولا تقترب من الإجحاف”.

رأيته مرة أو مرتين وثلاثا ربما، يخرج أو يدخل إلى مركز قيادته في ملتقى الشارعين الرئيسي والخلفي في المعلاّ التي أنجزت أجمل شارع في جزيرة العرب في نهاية الخمسينات، وكانت عدن آنذاك مدينة “عاشقاها الشمس والشهب” ولم يكن فيها “سلٌّ ولا جربُ” مع الإعتذار وكل المحبة لأستاذنا وشاعرنا العظيم الراحل (عبدالله البردّوني)، وكنت أقف في كل هذه المرات مع صديقي وزميلي في المدرسة والصف محمد ناشر عبدالرحمن على الرصيف المقابل لمكاتب الحاج هائل، والذي كان يقول لي: “ذلك هو الحاج هائل” فأتمعّن فيه بقوامه الممتلئ الأقرب إلى القصر، وكوفيته الزنجبارية، وثوبه العربي، ومشيته المتواضعة، نموذجاً لقصيدة لم تكتب، وقصة لم ترو، ولكنني لم أحظ بلقائه أبداً، فما كان لفتى صغير مثلي في مطلع الستينات أن ينظر في عين الشمس، لكن محمد ناشر عبدالرحمن كان هو مصدر كل القصص عن ذلك البيت التجاري، بيت هائل، وكان لمحمد خيال خصب كأنه من كتّاب ألف ليلة وليلة، فهو يحب التجسيد والتمثيل والإثارة وصناعة الخبر، ولطالما جعلنا في المعهد العلمي الإسلامي بكريتر نتطوح كأننا السندباد في البحر، أو عباس ابن فرناس في الجو، وقد سألت عن محمد ناشر (الحزين العميق) محمد عبدالودود طارش قبل أيام فقال لي: “إنه لا يزال حياً يرزق في أطيب حال وأنعم بال” فتحياتي إليه على البعد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s