بيت القصيد

سألت الـ «بي بي سي» الرئيس علي عبدالله صالح الذي قام بزيارة ناجحة إلى بريطانيا عن الجامعة العربية والدور المنتظر منها عمليا بغض النظر عن التصريحات التي لاتتعدى القول إلى الفعل، فأجاب الرجل الذي تمرس بالإجابات الواقعية اللاذعة: «لقد غلب القوي الضعيف، والقوة غلبت كل شيء، هناك غلبة من دولة عظمى تريد أن تسكت الصوت العربي الإسلامي، فالقوة والمال غلبا كل شيء».

هنا لم يعد المعنى في بطن الشاعر كما تعودنا في «الرطانة» العربية المعتمدة درءاً للحرج وبإنتظار الذي يأتي ولا يأتي، وهو لن يأتي أبداً ولو قرأنا عليه مزامير داوود، وما تلت الشياطين على ملك سليمان، وما كان يعلمه الملكان ببابل مما يفرق بين المرء وزوجه لا فائدة من المكابرة أو المتاجرة بالكلام «الكبير» الذي يلقي بالناس إلى التهلكة لأنه يقول لهم ما يرغبون في سماعه، ثم يدعهم في أوهامهم يغرقون حتى تأتيهم المصائب مثنى وثلاثا ورباعا ولو قيلت لهم الحقيقة لأنسوا عندها ناراً يقبسونها أو يجدون عليها هدى.

في زمن «الفردوس المفقود» في الأندلس كان ملوك الطوائف يستنجدون بالله دون أن يعملوا فيكتبون على الأحجار والأبواب ومداخل المساجد وعقود المحاريب «لا غالب إلا الله» ولكنهم تناسوا أن النية تسبق العمل، وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فما هي إلا أيام حتى وجدوا أنفسهم على الشاطئ الآخر يرددون «من سره زمن ساءته أزمان».

وقد تحدث الرئيس عن المدعو «أبو حمزة المصري»، والذي حارت البرية فيه، وكان قد وجد في لندن جنته التي ظن أنها لن تبيد، لم يحمد الله ولم يشكره، وإنما صمت دهراً ونطق كفراً، فأصبح ماؤها غوراً، لأنه لم يدرك أن للقوانين أنياب وأظافر حادة، وأن للصبر حدود، حتى لو كان الفاعل من الذين ليس عليهم حرج ويحاربون طواحين الهواء حول العالم، قال الرئيس «إن بريطانيا كما يبدو ستسلمه إلى أمريكا رغم أن اليمن طالبت به من قبل أحداث «11 سبتمبر»، مضيفاً بصراحته المعهودة «الحقيقة أن الكبير يأكل الصغير، وسوف يسلمونه إلى الدولة العظمى لا إلى الدولة النامية الفقيرة -وعقب- هكذا تسير الأمور في عالم اليوم»..على كل حال أظن أن لسان حال اليمن مع البريطانيين والأمريكيين في موضوع أبو حمزة ومن على شاكلته ما قاله الشاعر العربي:
لا أذود الطير عن شجرٍ
قد بلوت المر من ثمره

وما الحوثي الذي صنع منه الإعلام «فزاعة» لإيذاء اليمن فإنقلب السحر على الساحر ببروز عزيمة اليمن وطاقته التي لا تنضب على مكافحة التطرف والإرهاب والتآمر، سوى شرارة من «أبو حمزة» وأمثاله الذين يجيدون إشعال الحرائق ولا يهتمون بالنماء والعمران والبناء، ذلك أن كلاً يعمل على شاكلته وقد قال الرئيس لـ«بي بي سي» : الهدف من التمرد ليس هو «الموت لأمريكا وإسرائيل» كما يردد، وإنما العودة بعقارب الساعة إلى ما قبل أثنين وأربعين عاماً، وهذا ما يهدف اليه الحوثي شخصياً وكذلك المتعاونون معه سواء في الداخل أو الخارج.
العودة إلى الوراء هي مهمة الـ«دونكوشوتيني» الجدد الذين لا يدركون أنه لأسهل لهم أن يدخلوا الجمل في سم الخياط من أن يعيدوا الزمن القهقري.. تلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.

ومع ذلك فقد تحدث الرئيس عن «مردودات الحوارالتي هي أفضل من مردودات السجون» وهذه هي القاعدة العامة التي تجيز الاستثناء كما هو الحال مع اولئك الذي يغلقون صناديق أمخاخهم ويرمون بالمفاتيح في بحر التعصب والإنغلاق، أما من يتطلب الحق والحقيقة فله «الصبر الجميل» والحكمة والموعظة الحسنة، لأن الوعي لايتخلق دفعة واحدة وإنما ينسل من شذرة إلى شذرة حتى يستوي شجرة تسر الناظرين.. ثمة من سرب أن الرئيس قطع زيارته إلى بريطانيا، ومثل كل الشائعات أتى هذا التسريب من الخواء لينتهي إلى الخواء، ولكنه كشف عن رغبات دفينة لدى المطبخ والطابخ ومجموعة المقربين من النوادل والنادلات، ومثل هذا ما كان يستحق حتى عناء النفي في «عالم اليوم» الذي لاتخفى فيه شاردة ولا واردة.
لقد لمح الرئيس إلى شيء من ذلك حين قال في معرض حديثه عن سياسة اليمن «هذا دائماً ما نتحدث به بوضوح سواء خارج الغرف المغلقة أو داخلها» في الإشارة ما يكفي لمن ألقى السمع وهو شهيد، فتسعين بالمائة من «بلاوينا» العربية ناجمة عن سياسات الوجهين والتناقض بين مايقال في الغرف وخارج الغرف، حتى أصبح الناس لا يثقون ويفسرون ما يقال بعكس ما يقول وينطق.

على كل حال.. كانت للرئيس أمام مضيفيه في عاصمة الضباب مواقف طالما عبر عنها وقوبلت باحترام لأنها لا تظهر وتخفٍ حول «مصائب» الاحتلال في العراق واختلال الموازين في فلسطين وتعمد الخلط بين المقاومة والإرهاب، والانجليز يدركون ذلك كما الرأي العام الأوروبي ولكن يبدو أن العين بصيرة واليد قصيرة و«لن يضيع حق وراءه مطالب».

بقيت العلاقات البريطانية- اليمنية التي قال الرئيس انها دخلت مرحلة جديدة بتوسيع آفاق الشراكة والتعاون والدفع بالاستثمارات البريطانية إلى اليمن خاصة المناطق الحرة والصناعية.

وذلك هو.. بيت القصيد، فكل مصلٍ يرجو مغفرة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s