نيلسون مانديلا

نيلسون مانديلا
نيلسون مانديلا

يجسّد نيلسون مانديلا الذي سيترك السلطة باختياره يوم 16 يونيو الجاري خلاصة الحكمة الإنسانية النبيلة:
• الإصرار على الحق والعدل مهما كان طغيان القوة.
• الصبر والإيمان مهما طال أمد الظلام.
• إسقاط حق الفرد – القائد – مهما كانت الإغراءات، تمسّكاً بحق الشعب المضيّع.
• العفو عند المقدرة، وإخماد غرائز الإنتقام الوحشية.
• الإنتصار للمخالفين، تماماً مثل الإنتصار للمحازبين، أي رفض استبدال الظلم بظلم مضاد.
• الغفران بما يعنيه ذلك من تسامٍ على الآلام، ليتمكن الإنسان من استئناف الحياة على الدوام من نقطة بيضاء وصفحة أكثر بياضاً.
• الوفاء لأولئك الذين حبونا، والعدالة لأولئك الذين لم يحبونا في يوم من الأيام، وفق التوجيه الإلهي: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبنيه عداوة كأنّه وليٌ حميم}. صدق الله العظيم.
• التجرّد عن مباهج الدنيا الصغيرة، ولذائذ التملّك، وشهوات الحواس لنيل البهجة العظمى المتمثلة في الضمير المطمئن، والعمل الصالح، وحب الناس غير المشروط.
• البعد عن وساوس الناس، ومغريات الخنّاس، وقمع الكبرياء بالتواضع، ذلك أن من تواضع لله تعالى رفعه، وكذلك النظر إلى الدنيا بعيني الحكيم الزاهد، لا إقبالها يشفي، ولا إدبارها يشقي.
• وأخيراً… الإنسحاب من على خشبة المسرح السياسي وفي العمر بقية، وفي الجسد فضل قوّة، ليعيش المرء في شيخوخته ما لم يعشه في طفولته: دفء البيت، وحنان الأولاد والأحفاد، وحمد الناس، والإستمتاع في أحضاء الطبيعة، في إجازة استجمام وخلوة تأمل.
لم يحظ الجنس الأسود المعذب في تاريخه الحديث، المليء بالآلام والدماء، بمثل هذه الجائزة الإنسانية: مانديلا… لقد ألقى هذا الزعيم الحكيم الملهم إلى مزبلة التاريخ كل ادعاءات الجنس الأبيض المرذولة حول التفوّق وسيادة الدماء النقية، حتى أصبح حلم كل زعماء الغرب استقبال مانديلا، والتقاط الصور التذكارية معه، ليفتخر أبناءهم وأحفادهم بهم بعد ذلك، وسيظل هذا العملاق بملابسه الملوّنة وابتسامته العذبة رمزاً لأسوء وأجمل ما في قرننا الذي يوشك على الزوال: العبودية… والحرية.
تلك أمثلة مانديلا.. وكفى بها من أمثولة.

18 يوليو 2007
يحتفل العالم – بشغف وحب وتلقائية آسرة – بـ(يوم مانديلا)، وذلك لمناسبة بلوغ الرجل – الذي يعد أبا الإنسانية المعاصرة – عامَه الواحد والتسعين، محلقاً في سماء الفضيلة والنزاهة الشخصية والإيثار، وناشراً للسلام والتسامح والإخوّة الإنسانية، حيث لا فرق بين أسود وأبيض، وفقير وغني إلا بالعمل الصالح، والقدرة على العطاء، وليس الأخذ.
مانديلا إشعاع خاص، يعبر القارات، ويطوي التاريخ البغيض للعنصرية، ويداعب أحلام البشر الباحثين عن عالم منسجم متناغم، تتدفق ينابيعه من رحمة الله تعالى وغفرانه، ورعايته لكل المخلوقات، وإبداعه لأسراره العظمى في ثنايا الكون، حيث يستطيع الإنسان بالبصيرة والعقل والتأمل وإبداع الوسائل الوصول إلى القوانين الناظمة، واستخدامها لإرتقائه وسعادته، ويولّي النعم حقها من الشكر بتسخيرها لأخيه الذي لا يطالها لفقر مادي أو معنوي أو علمي أو تاريخي في إطار تفاوت الحضارات وتبادلها لمراكز الريادة.
في نيويورك غصّت قاعة (راديو سيتي هال) الأسطورية في قلب مانهاتن بضيوف (يوم مانديلا)، الذين توافدوا من كل مكان لتحيّة الرجل الكبير – الذي لم يعد يستطيع الحركة كثيراً بسبب الشيخوخة التي لا توفر أحداً من البشر – وقد بثّ مانديلا من ملاذه في جنوب أفريقيا رسالة مصوّرة شكر عبرها الفنانين والجمهور الذين شاركوا بحماس في ختام أسبوع من الإحتفالات، وقد جرى تخصيص ريع الحفل لصالح مرضى الإيدز الذي نخل شعوب القارة الأفريقية، حيث يوظف مانديلا مكانته العالمية لحثّ المقتدرين على الوقوف إلى جانبه لدرء أخطار هذا المرض الفتاك الذي استوطن العديد من البلدان حتى الآن، حتى أن الأطفال في بطون أمهاتهم لا يسلمون منه.
وكانت زوجة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي السيدة كارلا بين نجوم الحفل الغنائي، وقد أدت أغنيتين مع ديفا ستيوارت من فرقة يورثيميكس، كما أدت أغنيتها الشهيرة (كيلكان مادي)، وأغنية (بوب ويلان)، (بلوينج إن ذي ويند)، وهذه هي المرة الأولى التي تعُد فيها إلى الغناء منذ زواجها من ساركوزي، حيث لم تر غضاضة طالما أن المحتفى به هو مانديلا… حقاً إن الله عزّ وجل إذا أحب امرأً حببه إلى عباده، ساركوزي بين الجمهور يصفّق بحرارة للغائب مانديلا وللحاضرة زوجته المثيرة للجدل، وقد جاء بطائرة تجارية مع ركاب غير رئاسيين لكي لا يقال أنه يصرف في حب زوجته من جيب الدولة الفرنسية… وقد دفع ثمن التذكرة من حرّ ماله.
ذي المعالي فليعلون من تعالى=هكذا… هكذا وإلا فلا لا
مانديلا… المُحتفى به، لم يطلب شيئاً لنفسه من متاع الدنيا الفانية، وما أكثر المتهافتين على ذلك المتاع، كالفراشات حول النار، لا يمسكهم أحد من حيازيمهم، لذلك فهم يكبّون على وجوههم في كل قطر ومصر. لقد طلب مانديلا من أبنائه ومحبيه تكريس 67 دقيقة من وقتهم يوم عيد ميلاده للعمل التطوعي، ويرمز الرقم 67 إلى عدد السنوات التي تطلّبها نضال مواطني جنوب أفريقيا السود للحصول على المساواة في بلدهم… إذاً الأمثولة لا تزال تتخلق، والأسطورة تنسج برودها وأعلامها وفلسفتها، ويا ليت الغافلين حول العالم من الممتلئين بذواتهم يقتبسون من سيرة مانديلا ما يقرّبهم إلى شعوبهم زُلفى، ليكون الحب والإحترام في خزائنهم أغلى وأثمن من سبائك الذهب، وليكون مكانهم في التاريخ أعلى من أي كرسي على الأرض، وليكون مقامهم في السماء مع الصدّيقين والشهداء وحَسُنَ أولئك رفيقا.
الرئيس الأمريكي باراك أوباما – الذي تجسّد فيه شعاع من حلم مانديلا – تمنى للزعيم عيداً سعيداً وقال: “يمكن اختصار حياة مانديلا بكلمات صادرة عنه تقول: تبدو الأمور مستحيلة إلى أن تصبح واقعاً متحققاً”، أترى كان (أوباما) يتكلم عن نفسه؟ وقد ختم رسالة التهنئة بالقول: “حياة مانديلا تُعلّمنا أن المستحيل قابل للتحقق”… رئيس جنوب أفريقيا (جاكوب زوما) قال: “إذا كانت هناك قصة واحدة لا بد أن تروى عن شخصية ألهمت العالم… فهي قصة التواضع والإنسانية الحقة.. قصة نيلسيون مانديلا”.
أحد المواطنين الجنوب أفريقيين كتب إلى صحيفة في بريد القراءة: “أسافر حول العالم مرفوع الرأس كالزرافة، لأنني فخورٌ بأنني أفريقي وجنوب أفريقي”…عيد ميلاد سعيد.

تسعون شمعة في الظلام…
23 يوليو 2007
يوم الأربعاء الماضي أكمل نيلسون مانديلا عامه التاسع والثمانين، وقد دلف الآن إلى التسعين، فيما قلوب العالم تخفق حول وجهه النبيل، وابتسامته المتسامحة كالفراشات التي تخفق حول النور، وهي تتمنى له العمر المديد، كأبرز منارات العالم المضيئة بالحب، والشاهدة على أن الإنسانية يمكنها أن ترشُد وتتآخى وتتبادل المنافع في وئام، إذا ما تولّى أمورها زعماء من وزن مانديلا الزاهد في الحكم، والمتطلّع إلى الحكمة، والساعي إلى خير الناس، كل الناس، خارج اللون والعرق والمعتقد: الإنسان أولاً والإنسان أخيراً… وما اكتسبه بين المعادين فلكي يرتقي لا لكي ينحطّ، وهذا ما لا يفهمه الزعماء الكبار في العالم من عيار 8 قيراط، وبعضهم “فالصو” إذا ما جسّه جواهرجي التاريخ، ألقاهم في أقرب مزبلة جزاءً وفاقاً لما ألحقوه بالإنسانية من الأذى والتجريح والمهانة.
ما نديلا الذي خرج من سجن العنصريين البيض بعد حوالي 30 عاماً قضاها في جزيرة (روبين) لم يُشهر سيفه بعد فك أسره، وإنما أعلن حبه لكل مواطنيه، ودعاهم إلى مصالحة تاريخية تُعلي قيم المساواة والعدل، وتقدّم العفو والتسامح على الإنتقام والأخذ بالثأر، وشرع على الفور في وضع رؤيته موضع التطبيق، فحوّل جنوب أفريقيا – التي كانت مرشّحة لحمامات الدم – إلى واحة للتعايش أدهشت العالم الذي لم يألف هذا النوع من الزعامات المُلهمة، بعد أن عوّد مصّاصو الدماء على الزعامات المتغطرسة التي تفتش عن أسباب لسفك الدماء وقطع الأعناق والأرزاق، ومحاولة اجتثاث أعراق بكاملها كما حصل في أنحاء عديدة من أفريقيا بصمتٍ ومباركة دول كبرى لا تفكّر إلا مصالحها وفي شركاتها الناهية.
وفي عيد ميلاده التاسع والثمانين لم ينس مانديلا الإنسانية المعذبة، ولم يتخلّ عن الأمل في الإصلاح، وفي تغلّب نوازع الخير التي تفضح التشوّهات والإنحرافات الأخلاقية في السياسة الدولية، فأطلق مجموعة دولة على شكل “لجان الحكماء” للمساعدة على حلّ المشاكل الإنسانية حول بيتنا الصغير “الكرة الأرضية”، وهي الفكرة التي عمل عليها ريتشار برنسون رئيس مجموعة (فيرجن) والذي قدّم 17 مليون دولار تبرّعاً لبدء عمل المجموعة، التي تتكوّن – بشكل مبدئي – من زميله في إطلاق الفكرة والدعوة إليها منذ عام 2001 المغني بيتر جابريال، ومن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر داعية الديمقراطية وحقوق الإنسان حول العالم، وكوفي عنان أمين عام الأمم المتحدة السابق، وديزموند توتو الحائز على جائزة نوبل للسلام. وكانت المجموعة – التي لا سلطة لها غير سلطة الضمير – تحيط بمانديلا في عيد ملاده الذي بارك الفكرة مشيراً إلى أن سنّه واعتزاله للسياسة منذ عام 2004 قد لا يمكنانه من أن يكون عضواً مشاركاً فعالاً، وفي تقديري أن إلهامه وإشعاعه هما أكبر مساهمة في عالم يسوده الظلام، ويأخذ اليأس بخناقه، خاصة من تصرفات الدولة الأعظم التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء في تعدّياتها على حقوق الإنسان، وحريات الشعوب، ودوسها على القانون الدولي.
تحيّة إلى (ماديبا) الإسم المحبّب لمانديلا، ولتشعل الإنسانية 90 شمعة لعيد ميلاده القادم، لعلّ النور ينبثق في الأرواح والعقول.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s