محمود شكري

محمود شكري
محمود شكري

غواية الشحرور الأبيض

الشحرور الأبيض هو المبدع المغربي محمود شكري، الذي قصف الأوساط الأدبية العربية ذات يوم بروايته (الخبز الحافي) كما قصفها السوداني الطيب صالح بروايته (موسم الهجرة إلى الشمال) مع اختلاف الرؤيتين نتيجةً لاختلاف التجربتين، فـ(الخبز الحافي) مدينة عارية لا يكاد يسترها شيء، ومكتشفها يتحدث من قاعها، وقد غطاّه الوحل، وعظّه الجوع، وعصف بحياته البؤس، ولا وقت لديه لتجميل أو تنظيف أي شيء. إنه بالكاد يزحف على بطنه بين الأفاعي البشرية…وهو لا يكتب لنا، وإنما ليتطهّر ويتطهّر ليطفو على سطح آدميتيه بتلك الإعترافات المتحدية المستفزة الخجلانة الصادقة الباكية الحاملة لمصائرها، كما يحمل المصلوب صليبه ويتكتّفه، فيصيران شيئاً واحداً.

(أما موسم الهجرة إلى الشمال) فهي فنتازيا مترفة مثقفة محكمة الصنع، تتحدث الشعر في أجواء الموسيقى والبخور والغواية، وبطلها على عكس بطل (الخبز الحافي) المسحوق البائس، يحلّق في أجواء العظمة والتعالي والتذاكي، وتفوح منه روائح الذكورة المختالة، يدلف منها إلى إشباع رغبته في انتقام مرضي تسوّسه عقدٌ دفينة، تؤدي به إلى الإنكسار، وحين يعود إلى قريته على ضفاف النيل يعيش أشبه بشبح بلا روح، والتعالي الذي كان في إنجلترا مندلقاً إلى الخارج، أصبح في السودان مندلقاً إلى الداخل، إلى عميق الروح القانطة.

أصدقاء محمد شكري كانوا يطلقون عليه في طفولته لقب الشحرور الأسود Black Sparrow، حيث كان رماد المداخن ودخان السيارات وغبار الأسطح التي ينام عليها شريداً ومطارداً يلونه بالأسود، ويطلي وجهه بطبقات كثيفة من الرماد والغبار، كما يقول صديقه محيي الدين اللاذقاني، لذلك فإنه التحول إلى شحرور أبيض وهو ما أنجزه التثقيف الذاتي، ونار الموهبة الإبداعية، وصلابة الروح التي قاومت الإنكسار، واستلّت نسيجها خيطاً خيطاً من أشداق اللعنة، ولا يماثل محمد شكري في الخروج من هذا المستنقع/المنجم/ الفخ الذي نصبته له الحياة سوى حنا مينه الأديب السوري الكبير الذي قال عنه نجيب محفوظ بأنه أكثر استحقاقاً لجائزة نوبل منه.

ذات يوم التقيت محمد شكري وجلست معه على مائدة إفطار بفندق الرشيد في بغداد، وانضم إلينا أديب عربي شاب تحدث إلى شكري بشيء من الإستخفاف، كأنما استوحاه من أجواء رواية (الخبز الحافي)، وهي بالمناسبة سيرة ذاتية، فإذا بالأديب الكبير يثور بعنف ويطرده من على المائدة والشرر يتطاير من عينيه.

لقد خرج من ظلام المنجم بعد أن دفع الثمن، ولن يسمح لأحد بأن يستخف بتجربته، ذلك أنه فعل ما تفعله الطبيعة عبر ملايين السنين، فقد حوّل الفحم الخام الذي دفن طفولته فيه إلى ألماس صلب براق، أثرى أدبنا العربي، وجعل حياتنا أكثر غنىً وأكثر إنسانية، لذلك فإننا نحني هاماتنا احتراماً لذلك الشيخ الذي يعيش وحيداً مع كلبه في شقته بطنجة.

وكتابه الأخير (غواية الشحرور الأبيض) الصادر عن منشورات الجمل، المشاركة بمعرض الكتاب هو سباحة ثقافية مقتدرة لمثقف مقاتل تعلم الأبجدية في سن العشرين، فصنع ذاكرته بيديه.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s