الدكتورة عزّه علي عزت‏

عزة عزت
د عزة عزت

شيء من النميمة

بعض الناس مثل فقاقيع الصابون، لهم انتفاخة ولمعان ووعد كاذب، وما هي إلا برهة من الزمان، فإذا الإنتفاخة عدم، واللمعان انطفاء، والوعد مجرد حيلة بصرية سادت ثم بادت قبل أن تكون شيئاً مذكورا.

وبعض الناس مثل الياسمين: عطر أصيل، ولون ناصع جذاب، وحضور كثيف في الزمان والمكان. ورغم عمر الياسمين القصير إلا أن عطره لا يبارح الذاكرة، ونصاعته تلهم الخيال، وحضوره الواعد يستحضر الربيع، وسخاء الطبيعة ومكوناتها الجميلة، من ينابيع الماء، وسحر الأنسام، وكرم التربة، وتآزر وتآلف لحظات وعوامل الإبداع.

وبعض الناس مثل السنديان عراقة ولياقة، استواءً على الأرض، وشموخاً في السماء، خضرة وظلالاً، إحساساً بالقوة الخيرة والجمال الواثق، والمكانة التي لا تُنكر.

لا أدري لماذا خطرت ببالي هذه التشابيه وأنا أستعرض بعض من عرفت وصحبت وخبرت وتقاطعت دروبنا في هذه الدنيا التي مديدها قصير، وحلمها بديد، وغزيرها قليل، ولا يغتر بها إلا أولئك الذين ينتمون إلى فصيلة فقاقيع الصابون الذين – وإن طال انتفاخهم – لا يتركون وراءهم فعلاً يذكر، ولا كلمة تستعاد، ولا ذكرى تستحضر، إن هو إلا ذلك الزبد الذي يذهب جفاء ولا يمكث في الأرض.

ربما كان وراء هذه الخاطرة ذلك الإتصال الجميل المليء بالإنسانية والوفاء النادر والحديث النافع الذي تلقيته من الدكتورة عزه علي عزت زميلة الدراسة وأستاذة الصحافة والباحثة اللامعة في عدد من المجالات الخصبة، وكانت تدعوني متفضلة عليّ لحضور لقاء معها ينظمه إتحاد كتاب الإمارات بمقره في أبوظبي حول صورة العرب في الصحافة الأجنبية

استعدنا عبر الأسلاك أيام الدراسة الممتعة في قسم الصحافة بآداب جامعة القاهرة، ونمّينا ما شاء لنا النم – من النميمة – حول مسارات ومصائر زملاء الدراسة، واسترجعنا قسماتهم، وملامحهم النفسية، وطرائفهم، وطموحاتهم التي قعدت ببعضهم وطارت ببعضهم الآخر، وأطارت رؤوس قسم ثالث، ولكنها كانت نميمة شفافة أشبه بالبلسم، وليست من ذلك النوع الذي يَطيحُ في خلق الله، ذلك أن الزميلة الدكتورة عزه من أرق الناس وأرقاهم خلقاً، وهي مزيج من خلائق الياسمين وعطاء السنديان. وبين يدي الآن أحد أهم مؤلفاتها (الشخصية المصرية في الأمثال الشعبية)، الذي بمقدار ما يعكس عراقة الشعب المصري وذكاءه الطبيعي وقدراته الفائقة على احتواء الظروف الصعبة، بمقدار ما يعكس تولّه الدكتورة بأبناء شبعها وحبها لهم كما هم على الطبيعة دون رتوش ودون مكياج مخادع.


وتلك الأمثال

2 فبراير 1999

ليس هناك ما هو أبلغ من الأمثال في اختزال التجارب النافعة، وإبقاء التجارب المرة التي يمرّ بها الأفراد والشعوب في الذاكرة الحية للموروث وفي ملعب الحياة ذاتها، كأنما هي الأجراس التي تدق من عالم النسيان إلى عالم العيان.

المثل استحضار وإعلان وحسم وصورة للجديد في المرايا القديمة، ووثوق لا حدود له بتجدد الحياة دون أن تضيع من حيواتها السابقة شيئاً. عبر المثل يأتي إليك جدك البعيد ليقول لك: “يا بني لماذا لا تتعلم من تجاربي وتنهل من حكمتي وتجنب نفسك عناء ما عانيت وترقيع ما أبليت؟”.

وما أن تنصت لذلك الجد حتى يأتيك جد أقدم أو أجد، فيوشوش لك عبر المثل أن لا تسمح لذلك الجد المحنّط أن يتحكم بك عبر أمثاله، ثم يتلو عليك حكمته هو الآخر، وما استخلصه من تجارب وعبر مناقِضة يعتبرها هي الأجدر بالوثوق، ومن بين حروفها تتدفق الحكمة.

وتُحار أنت، فتلبس لكل حالة لبوسها، وتتخذ لكل معركة سلاحها، ولكل نازلة مثلها ومثالها، ولكنك لا تستقر على طمأنينة، ولا تعمل كل العمل بما قاله المثل، وإنما هو الإقتراب والإبتعاد، الإقتراب بمقدار ما تجد المخرج، والإبتعاد بمقدار ما ترى المنزلق، فأنت أيضاً – وإن كنت من الأحفاد – ستصير ذات يوم من الأجداد، ولا بد لك من أن ترى بعينيك وتستقرئ بيديك، فهذه حياتك وأنت المسؤول عنها، ثم انه لا بد لك أن تخلّف شيئاً نافعاً، أنت وجيلك الذي تضطرب بكم الحياة أيّما اضطراب، وتسوقكم إلى مصائركم أيّما سوق.

من هنا يأتي ذلك التشذيب، وذلك المحو، وتلك الغصون الجديدة بأوراقها القشيبة على شجرة الحياة العتيقة. ومن الصعب – نظراً لذلك – أن نضبط صورة شعب من الشعوب في لحظة تاريخية على صورة أمثاله، إلا إذا قلنا أنه مجمع الأضداد وابن الحياة، وبالتالي كأننا لم نقل شيئاً، فالمثل على بلاغته وانتشاره وكونه ينصّب نفسه في الحياة ميزاناً للرؤية، ليس في التحليل الأخير سوى غيض من فيض في تدفق نهر الحياة الذي لا تضع رجلك في الماء نفسه مرتين كما يقول فيلسوف أغريقي.

ولقد سعدت واستمتعت واستفدت من قراءتي لكتاب الزميلة الدكتورة عزه علي عزت (الشخصية المصرية في الأمثال الشعبية) ولكم تمنيت لو كانت لي ذاكرة فأحفظ تلك الأمثال، إذاً لتغير لساني إلى الأحسن والأجمل، ولربما كانت حياتي قد تغيرت، فالمرء مخبوء تحت لسانه.


الشخصية المصرية في الأمثال الشعبية

3 فبراير 1999

مائدة عامرة من الأمثال الحاملة للتجارب والحكم تعرضها علينا الدكتورة عزه علي عزت في كتابها (الشخصية المصرية في الأمثال الشعبية)، الذي أشرت إليه في زاوية (آفاق) يوم أمس، وأكرر أنني قد زاملت الدكتورة أيام الجامعة، لذلك فإنني أشعر باعتزاز خاص تجاه إنجازاتها ودراساتها التي تنماز بالجدّة والعمق دون إملال أو تزيّد. وأول ملاحظة هي أن الكتاب قد بُني على حُب جارف للشخصية المصرية بكل ما جُبلت عليه، وهو حبٌّ احتل نفس الدكتورة عزه منذ الطفولة المبكرة، ونما بنمو ثقافتها ومعرفتها وسعة اهتماماتها، ولعل كثرة تحوطاتها العلمية ومقارباتها الحيادية في مقدمتها واستخلاصها هي حوار من واقع الضرورة المنهجية لهذا الهوى الغلاب الذي ظلت الدكتورة تخشى غلبته وتحيّزه وهواه المستكن، وتجلياته الفكرية والتحليلية.

وكما قيل فإن أعظم الجهاد هو جهاد النفس، لذلك فقد كسبنا – كقراء – من حب الدكتورة كَسبين: الأول ذلك الوجد المبثوث في كل مكان من الكتاب بما يشبه وجد العشاق حين يكتبون رسائلهم الأولى بقلوب واجفة وأصابع مرتعشة وأجنحة تخفق في سماء المحبة الزرقاء المعطرة بالياسمين.

وهذه الميزة قلّ أن تتوفر في الكتب الأكاديمية الباردة، التي تبدو في كثير من الأحيان كهياكل يعجبك مرآها على البعد، فإذا ما اقتربت منها هالك كم الحشو غير المصقول، والتجميع الذي يشبه حطّابة الليل، لأن صاحبها لا يملك من رهافة الحس ما يمكّنه من إجراء عمليات الفرز والتشذيب، بحيث يُلبس العلم قالب الفن الجميل الذي أسعدتنا به الدكتورة في كتابها هذا.

أما الكسب الثاني فيبدو أن المحبة أوصلت استخلاصات الكتاب بالضرورة إلى السعادة وميناء التفاؤل، وفي ذلك نوع من التوجيه الإيجابي في عصر مليء بالمُحبِطات على مستوى التنظير والتحليل والرصد والإستشراف، بحيث فقد الناس بوصلة الهدى إلى النجدين، وبالرغم من هذا الهدف النبيل إلا أن شيئاً من المقاربة الموضوعية – حتى وإن كانت حارقة نوعاً ما – هي بضرورة الملح للوجبة الشهية المفيدة، ومن يقرأ تحليل الدكتور جمال حمدان في كتابه الشهير (شخصية مصر) للشخصية المصرية لا شك أنه سيكون مضطراً للمقارنة بين منطلقين ونهجين، وقد تساءلت لماذا لم يكن ذلك المرجع الخطير ضمن مراجع الدكتورة عزه المثبتة في آخر كتابها الصادر عن دار الهلال؟

على كل حال، فإن الكتاب وعد بكتاب آخر أشارت إليه الدكتورة وهو يرصد سمات المصري المعاصِر، وما اعترى المجتمع المصري من تحوّلات، ومن الصعب الحكم على مشروع لم يكتمل. أما الناحية الإمتاعية في كتاب (الشخصية المصرية في الأمثال الشعبية) فحدث ولا حرج، ففي الكتاب ما في الحياة نفسها من طاقة وإبداع وتدفق وتنوّع: الحرب والسلم، المرض والصحة، الفقر والغنى، أهل فوق وأهل تحت، القبح والجمال، الدين والتديّن، الأخلاق والتخلّق، التقوى والفجور… الخ. وهو لذلك جدير بالإقتناء والقراءة.

2 comments

  1. شكرا قد لا يصلك أيها العزيز فضل على ناجي.. فقد اطلعت اليوم فقط على هذا المقال الجميل الذي خطته يداك قبل الرحيل .. رحمك الله .. فقد كنت نعم الصديق .. وكانت علاقتي بك دائما على الورق .. فكم من الكتب تبادلنا .. بل لعل تبادلنا للكتب كان اكثر من تبادلنا للكلمات أسعدتني كلماتك كما كنت دائما تسعدني بما تختاره لي كي اقرأه رحمك الله رحمة واسعة واسكنك فسيح جناته فقد كنت كالنسيم رقيق وراقي

    1. شكرا لك دكتورة عزة. دعائك له افضل شكر تقديمنه له وتقبلي تحيات اولاده جميعاً

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s