غادة السمان

غادة السمان
غادة السمان

هدية ملغومة
في مقابلة مع الراحل الدكتور يوسف إدريس، أشار إلى أن كم الحرية المتاح في الوطن العربي الكبير لا يكفي كاتباً واحداً، من هنا علينا أن نتبيّن فدائية ونُبل أولئك الذين يخوضون في مجاهل الحرية وتبِعاتها، يقتحمون أسوار (التابو) والمحرّمات ليضعوا الإنسان العربي على خريطة العصر المعرفية وحساسيته الحياتية والأخلاقية، وهم يتحملون في سبيل ذلك ليس فقط رجم الحجارة من الآخر المغاير وإنما سهام الظلم من الآخر المشابه، أو المفترض أنه مشابه.

الكاتبة المبدعة (غادة السمان) ألمع سباحات المسافات الطويلة في بحر الحرية، وأكثرهن عطاءً (30 مؤلفاً)، وأرهفهن شفافية، وأنضرهن شباباً إنسانياً يعبُر الحدود والأجناس والثقافات، ويعشق مدن العالم بحثاً عن الجوهر المشترك، والشوق النابض في أعماق البشرية المعذبة، ومع ذلك ظلت غادة تلك العربية الدمشقية البيروتية الحاملة لترف الورد الجوري، ودفء البيت الدمشقي، وأناقة العيش اللبناني، وسحر الصحراء العربية ليلاً، ومفازاتها المُهلكة نهاراً.

في مقابلة (ماراثونية) مع غادة حَظِيتْ بها إحدى المجلات العربية مؤخراً ونشرتها على 3 حلقات تحت عنوان ملفت (سباحة حرة في بحر الشيطان مع ألمع الأديبات العربيات) سُئلت غادة عن مسارها الأدبي فأجابت بلغتها التي تحولت إلى (مدرسة) يتخرج منها عشرات الكتاب العرب سنوياً:
“أظن أن نجم القطب في سمائي يدعى (الحرية)، حين أقول الحرية لا أتحدث عن بالون أفلتته يد أحد رواد الفضاء في محطة (مير) مثلاً خارج دائرة الجاذبية الأرضية، بل أتحدث عن حرية من صنع محلي لها جذور في الشخصية العربية، وليست شديدة الغرابة عن جانب من تراثنا يجري طمسه أحياناً أكاديمياً وسياسياً واجتماعياً، وكل من يجرؤ على إبراز الجانب التحرري الإبداعي الخلاق في التراث يتهم أحياناً بالإختزال المخل و (المؤامرة)، وأنا هنا لا أتحدث فقط عن حرية (أورفيوس) التي جعلته يلتفت إلى الوراء فيخسر الحبيبة ويربح الإبداع، ولكنني أتحدث عن حرية جدي الأعرابي الذي اكتشف أن وثنه التمري ليس إلها حقاً فالتهمه وتابع طريقه، وأعتقد أن غريزة الحرية في الذات العربية لا يمكن تخديرها، فهي راسخة منذ أقدم العصور في نفوس منذ ولدتهم أمهاتهم أحراراً ويرفضون العبودية”.

غادة السمان، نزيلة باريس، والتي لا يمكن تخيل صورة الأدب العربي الحديث دون ثورتها الإبداعية ولغتها الشاعرة، تلقـّت هذا الأسبوع هدية ملغومة من زميلة حرف هي الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي، تقول فيها عبر مقابلة صحفية: “يؤسفني أن أقول أن غادة السمان تستهلك قضايا عادية مثل قضية المرأة والتحرر، أما الإنسان العربي فلا نشعر أنها معنية بقضيته للدرجة التي تخلق عندها هاجساً، وأنا أقول لغادة لا بد أن تنزلي إلى الناس”.
ما كان أغنى أحلام عن مثل هذا الكلام الذي لا يقول شيئاً سوى أن “المرأة” و”التحرر” لا يمتان بصلة إلى الإنسان العربي، مع أن أحلام – للأسف – لم تغن غير هذه الأغنية في روايتيها.


والمطلوب واحد
20 مايو 1998

حين كتبت بالأمس عن غادة السمان وأحلام مستغانمي لم يخطر ببالي أن أنتصر للأولى أو أعنّف الثانية، وإنما ساءني حقاً أن تنصرف كاتبة واعدة مثل أحلام للسباحة في برك آسنة من النرجسيات التي تهبط بقيمة الكاتب والكتابة. لماذا علينا تجريح الآخر اعتقاداً بأننا نرفع من مقامنا، أليس هذا هو المرض العربي “بامتياز” الذي جعلنا في مؤخرة الأمم، وغلّب عواطفنا الضيقة على عقولنا، وعلّمنا كيف تنناقر لا كيف نتحاور؟ أليس هذا “الهوس” بالذات و”الغيرة الآكلة” من الآخر هي التي تملؤنا آخر الأمر بالخواء، وتمنع عنا أوكسجين حرائق الكتابة، وتحولّنا إلى فزاعات من خرق بالية على هوامش حقول الإبداع؟
لقد كانت أحلام في مقابلتها مسكونة بغادة حدّ الامتلاء، ابتداءً من الصورة التي اختارتها على نسق صور غادة عدا “البومة”، وانتهاء بالمخالفة التي تعكس رغبة ملحة في الإنعتاق هي من حقها، ولكننا كنا نفضلها بصورة الفطام الطبيعي، لا بمحاولة قضم الثدي، فحين سُئلت عن الحرية التي تعتبرها غادة “نجم القطب في سمائها” خالفت أحلام بالقول: “نحن في حاجة إلى رقابة، إلى موانع، حتى نتحايل عليها، هذه الحيل هي التي تخلق الأدب…” لكم يبدو هذا التخريج متهافتاً، وماذا يحتاج أي نظام شمولي قامع لأكثر من هذا النص الأدبي اللامع.
وحين سُئلت أحلام عن “العيش” من أجل قضية، وهي تعتبر نفسها معنيّة بالإيجاب، فقد أجابت عن سؤال سابق حول تعليقها على وصف “الطيب صالح” لها بأنها “غادة السمان” القرن الحادي والعشرين بالقول: “لا أحب أن أشبّه بأحد، لا لأنّي الأهم، بل لأني مختلفة، ثم أني أحمل قضية…” أجابت عن السؤال الأول بالقول: “أنا أعتقد بأن الكاتب الممنوع من دخول دولة أو دولتين وليس عشراً لا يمكن أن أطلق عليه كاتباً…”، بهذا المنطق فإن مقياس القضية هو المنع، وبهذا المقياس النقدي الجديد لا يمكن اعتبار نجيب محفوظ أو حنا مينا أو أدونيس كتّاباً، وحتى غادة السمان التي لا أظن أن كتبها قد منعت في عشرة أقطار في إطار “مؤامرة عربية”.
إن وصف الطيب صالح لأحلام لم يأت من فراغ، وقد قرأت روايتيها: (ذاكرة الجسد) و (فوضى الحواس) اللتين يمكن اعتبارهما نصين في فضاء واحد يعتصران المأساة الجزائرية بتاريخيّتها الملتبسة، وواقعها الدامي، فوجدت فيهما العديد من الإلماعات التي تذكرك بروائيين مطبوعين، حدقوا في الواقع والوقائع طويلاً ليكونوا شهوداً على العصر وذاكرة للزمن، وليس من السهل تبيّن كيف ستخرج أحلام من هذه “القضية” إلى الفضاء الأرحب الذي سبقتها إليه غادة.
ومن منطلق المحبة نقول لأحلام ما قاله السيد المسيح لمارتا: “مارتا… مارتا إنك تتكلمين عن أشياء كثيرة والمطلوب واحد”.
و… قليل من التواضع يحيى القلب… ويفجر الإبداع.


هاجس الحرية
21 مايو 1998

هاجس الحرية يتلبس الكتاب العرب حتى في منافيهم “الحرة”. لم تغرهم باريس أو لندن لأنهم يريدون أن يتسكّعوا أمام “الفاترينات” الأنيقة، أو يقرأوا الكتب الممنوعة في أوطانهم، أو يقولوا ما يشاؤون دون خوف وهم يتناولون قهوتهم على مقهى رصيف في “الشانزليزيه” ثم يعودون أدراجهم إلى مساكن آمنة ليفكروا فيما سيكتبون دون وطأة الرقيب وتوجيهات الأخ الأكبر.
ليس ذاك هو الأساس لأن حريتهم في الأساس موصولة بحرياتنا نحن المقيمين في الوطن العربي الكبير، وما لم نتحرر نحن فلن يتحرروا أبداً، وما الوطن البديل سوى حاضنة مؤقتة حتى لا يختنقوا أو تتبلبل ألسنتهم، أو أنه أشبه باستراحة المحارب ينفض عن ملابسه غبار المعارك، ويترك للزمن المسروق إبراء جراحة، فيما هو يفكر في عمله القادم.
تقول غادة السمان نزيلة باريس في مقابلتها الماراثونية التي أشرت إليها أمس الأول: “نحن بشر، قد نخطئ في حق الحرية، لكن ذلك لا يلغي ضرورتها، أنا لا أملك قلباً مترعاً بالأوهام، وأعرف أنني لست حفيدة “الكونت دو باري” بل حفيدة تاجر في سوق الحميدية قرب الجامع الأموي، ولكن ذلك لا يبدل من حقيقتي الإنسانية شيئاً، وهي جوعي إلى الحرية بالرغم من أن جذوري لا تزال مجدولة بجذور ياسمينة بيتي العتيق في “زقاق الياسمين” الشامي، أو لأن جذوري كذلك، وليس بالرغم منها..! كوني امرأة عربية لا ينفي شهواتي الفكرية للطيران في سماوات أخريات غير سماء “الغوطة” و “صوفر”، واكتشاف جبال أخرى غير “قاسيون” و “حنين” و “المقطم”، وأظن أننا كعرب نعاني بعضاً من الجوع إلى مناخات الحرية الفكرية والديمقراطية… وإلا فبماذا نفسر “تنهيدة الراحة” التي يطلقها الكثيرون حين يدوسون مطارات فرنسا وسويسرا وهم يهبطون من الطائرة؟”.
الحرية الفكرية مثلها مثل الحريات الأخرى، كلها لا تُعطى كما يقول “الدستوريون” ولا تنتزع كما يقول “الثوريون”، الأولون يحرصون على الشكل فتبدو مبانيهم تخطيطاً على ورق تعجبك أشكالها ولكنك لا تستطيع سكناها، وبينما يعتسف الثوريون مضمون الحرية، ويفرغونه من كل معنى كمن يحاول تخطي بحيرة واسعة بقفزة عرجاء… الحرية وثيقة الصلة بالوعي والتطور الإقتصادي والإجتماعي، ومن أبرز روادها أولئك المبشرون بها قولاً وعملاً، والذين على الدوام يميزون صالحها من طالحها، لذلك طربت لقول غادة: “أعرف أن الحرية كلمة سيئة السمعة، لأن الكثيرين يقومون بإسقاط شخصي عليها، ويتوهّمون أن المقصود منها حرية التفلت الشخصي لا أكثر، وتلك مشكلتهم هم، لا مشكلة عشاق الأوكسجين الفكري الذي لا تقوم للشعوب قائمة بدونه”.


رسائل غسان إلى غادة
5 أبريل 1999

“رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان”، والتي نشرتها الكاتبة في طبعة أولى العام 1992، وتستعد حالياً لإصدار طبعتها الرابعة، أقامت الدنيا ولم تقعدها في البداية، ثم لم تلبث تلك الزوبعة أن أخذت تهدأ حتى استقر غبارها على الأرض، فإذا الجو صحو، والسماء زرقاء، وموج البحر يلهو ساخراً من التهيؤات البشرية التي تحيل الجميل إلى قبيح، وتحاول أن تصنع من الحياة الطبيعية حياة بلاستيكية لا رواء فيها ولا نبض، كأنما هي أصنام التمر التي كان يصنعها البداة ليعبدوها، ثم لا يلبثوا إذا جاعوا أن يأكلوها، وهيهات، حتىّ أن تؤكل أصنام البلاستيك العسيرة على المضغ والهضم.
المعشوقة غادة السمان بحسّها الصحافي، وغريزة الأنثى التي تشبه غريزة النمرة، وبسلطانها على الحرف واللغة، فعلت فعلتها وهي مطمئنة إلى مناعة مخبئها الحصين في باريس، ومطمئنة أكثر إلى سلامة موقفها في زمن يتجه بعنفوان نحو الشفافية ونزع أقنعة العصمة عن أبطال التراجيديا الإنسانية الذين يصبحون أكثر إنسانية حين نقرأ الأوراق المخبأة في جيوبهم، ونستمع الأناشيد التي ينشدونها لأنفسهم في الخلوات، وحين نتنصت أيضاً على أحلامهم التي يتجاوزون فيها الخطوط الحمراء التي يرسمها المعجبون البلهاء من أمثال أولئك الذين لم يوفروا قدْحاً إلا وألصقوه بالمعشوقة التي كانت أثيرة في قلب صاحبها كما هو واضح من الرسائل التي انبعثت من الموت لترسم صورة لحياة إن لم يعشها صاحبها بالفعل والتحقق فقد عاشها عميقاً في التمني والصبوات وقرب الأنفاس مما منحه في عالم العشاق مكاناً علياً، أضاف إلى مكانته في عالم المكافحين والمناضلين المقاتلين ولم ينتقص منها.
لقد بُعث غسان كنفاني على يد غادة كما لم يُبعث على أيدي كل محبيه ومريديه… كيف لا وقد اختارت لـ “بانوراماها” زاوية تتقطع دونها الأعماق، إنها زاوية الحب والعشق والهيمان، حيث يتحول الرجال الحقيقيون إلى فراشات من نور، وتتحول النساء “الحقيقيات” إلى عرائس بحار أسطوريات.
غادة – أيضاً – وعلى طريقة أبي الطيب المتنبي القائل: أنامُ ملئ جفوني عن شواردها=ويسهر الخلق جراها ويختصم، وثـّقت للطبعة الثالثة بمقتطفات من آراء نقدية لمئة وعشرين كاتبة وكاتباً، امتشقوا أقلامهم في زمن الزوبعة، ولم يخلفوا وراءهم سوى العجاج الذي انجلى عن تقليد أدبي جميل أصاب “النفاق العربي” في مقتل، وثمة أربعين كاتباً آخر ينتظرون دورهم في الطبعة الرابعة وما بدلوا تبديلا.
من مقدمة غادة: “نعم كان ثمة رجل إسمه غسان كنفاني، كان له وجه طفل وجسد عجوز، عينان من عسل، وغمازة جذلة لطفل مشاكس هارب من مدرسة الببغاوات، وجسد نحيل هش كالمركب المنخور عليه أن يعالجه بإبر (الأنسولوين) كي لا يتهاوى فجأة تحت ضربات مرض السكري… لم يكن فيه من الخارج ما يشبه صورة البطل التقليدية لأنه كان ببساطة بطلاً حقيقياً… غير العادي في غسان كان تلك الروح المتحدية… النار الداخلية المشتعلة المصرّة على مقاومة كل شيء، نار من شجاعة تتحدى كل شيء حتى الموت.


وللمكر وجوهٌ أخرى
6 أبريل 1999

ببساطة شديدة ومن دون أن تخبرنا أو ترشدنا، وذلك نوع من مكر الكتابة الخفي، وربما نوع من مكر الروح اللطيفة، تعاتبك من دون أن تحس بها، وتتلاعب بك ومعك من دون أن تستطيع لمسها، تسللت غادة السمان إلى محتوى كتابها المتضمن لرسائل غسان كنفاني العاشقة في طبعتيه الأولى والثانية، لتنشئ كتاباً آخر من دون أن تكتبه، وإنما كتب إليها وعنها وفيها من 120 كاتبة وكاتباً من أرجاء الوطن العربي الكبير، وكان دورها فيه دور مخرج العرض المسرحي يضع يده في كل شيء من دون أن يظهر على خشبة المسرح، وجاء ذلك في المحصلة عرضاً توثيقياً لحالة العقل العربي الراهنة في نظرته للأمور، وتأرجحه بين المباح والمحرّم، بين المنطق والهوى، بين الحرية والإباحية، بين الصنمية والإنسانية، بين المرأة الكائن والمرأة الكينونة.
عرض شيق لعقول حارت في شأن إنساني بسيط وجديد على الدوام حين تنقدح شرارة الحب في قلب رجل أو وجدان امرأة، فتهطل الأمطار وتشتعل الكلمات وتعلن العصافير مقدم الربيع، وتصبح الكتابة إلى “المعشوقة” نوعاً من التطهّر الإشراقي والاستعراض الجذاب، مثلما ترسم الطواويس لوحات ألوانها ورسومها البراقة، ثم يأتي عقب ذلك موسم جفاف، فيتأوه العاشقون، وتصرخ شرايينهم تطلب أوكسجين المحبة، وفضاء الطيران، وقوارب الوصل المتكسرة على صخور الغربة والوحشة، ويولد كل ذلك في حيوات جديدة من الخلود الإبداعي حين يكون العاشق قيس بن الملوح، أو عمر بن أبي ربيعة، أو أحمد رامي، أو غسان كنفاني، وتكون المعشوقة ليلى، أو هند، أو أم كلثوم، أو غادة.
وفي نقطة التقاء الحب بالإبداع يتحول الخاص إلى عام، ويصبح من حق الناس أن يروا صورة الحب البهيجة ومهاويه التراجيدية، كما هو من حقهم أن يقرأوا روميو وجولييت لشكسبير، أو يشاهدوها في فيلم أو مسرحية فتزداد حياتهم ثراء.
أما أولئك الذين وجدوا في نشر الرسائل مؤامرة وأي مؤامرة، واكتشفوا بحواسهم السوادس أصابع الموساد ودسائس البيت الأبيض، كما شاهدوا بعيني زرقاء اليمامة المداهمة الوشيكة لخيول الإمبريالية وطلائع العولمة لديارنا المحروسة، فلن نقول لهم سوى أننا نغبطهم على هذا الخيال اللطيف إن كانوا يقصدون كلامهم حقاً، ونؤكد لهم أننا على ضوء ذلك سنعيد قراءة الأربعة والثلاثين مؤلفاً لغادة لأنه وفق نظرية المؤامرة لا يعقل أن يكون قد تم تجنيدها بالأمس القريب… ولله في خلقه شؤون.


نشيج الحرية
23 يناير 2006

لم أعد ألتقي بغادة السمان سوى في الأجواء حين يعرضون عليّ المجلات، فأختار (الحوادث) لأقرأ الصفحة الأخيرة حيث زاويتها “لحظة حرية”. كم هي مسكونة بالحرية هذه الطفلة التي لم تكبر إلا في حسابات شهادة الميلاد، تعيشها حُلماً في الأسر، وطيران فراشة في القيود، ووهجاً في القهر، ورغبة عارمة لتعمّ الحرية ضمير الإنسانية، وتكون هادية لا باكية، وآسرة لا مأسورة، ومعلمة لا تلميذة بليدة في مدارس الطغاة والأشقياء.
غادة السمّان مازالت تكتب هواجسها التي تمكنت منها منذ ستينات القرن الماضي، حين كانت الأحلام كأزاهير الربيع قبل أن يطوّح بها شتاء حزيران عام 1967، والذي لم تعرف البلاد العربية بعده معين للأمل، وكانت غريزة البقاء هي العامل الوحيد الذي يحرّك ما تبقى من الحياة لكي لا يسقط الإنسان فريسة الفناء وآفات سكان القبور من الذين ينتظرون النشور.
وقد كتبت الأديبة الكبيرة عشرات الروايات والقصص، وآلاف المقالات التي جعلت منها إحدى واجهات الحرية الصلبة، في أمة استساغت الإمتهان وشربته حتى الثمالة:

من يهن يسهل الهوان عليه
ما   لجرحٍ   بميّت   iiإيلام

الحرية لا تزدهر إلا في كنف الإنسانية العالية، حيث استخلاف الإنسان في الأرض قرة عين المشيئة الكونية، والعبودية هي الرذيلة التي تصمُ المستعبد (بكسر الباء) قبل المستعبد (بفتحها)، ومن الواضح لكل ذي عينين ولسان وشفتين أن الحضارة الحديثة – التي بدأت مع عصر التنوير الأوروبي في القرن السادس عشر – قد امتدت ماسحاتها طولاً وعرضها مع امتداد الحرية وتعمقها وتقنينها والإقرار بحقوق الإنسان سيداً لا عبداً، ولم يأت كل ذلك بلا ثمن، فهو محصلة صراع ضارٍ، فقوى الظلام عادة لا تسلّم استجابة لنداءات العقول أو الحجج المنطقية أو ضرورات المستقبل، دائماً تتشبث بمواقعها تشبث المستميت المتعلق بقشّة وهو يغرق، ولن تكون بلاد العرب استثناء، وإنما العصر يتيح نوافذ جديدة لم تكن متاحة في القرون الماضية، ومنها قوة الكلمة وسطوة الإعلام، وعبور وسائل الإتصال للموانع الطبيعية وللقارات، وتوالد الفضائيات كالفِطر إلى آخر ما راكمه عصرنا من منجزات لم يحلم بها خيال إنسان، وما يبشر به مستقبلاً من تجاوز خارق لكل ما حققه.
لذلك حين التقيت غادة السمان – داعية الحرية بلا حذلقات ولا توظيف ولا ادعاءات – شممت في كلماتها تلك الروائح القديمة العطرة التي منحتنا الأمل ذات عمر وعلّمتنا المقاومة حين انكسر ذلك الحلم، وستخرج معها يداً بيد، وقلماً بجانب قلم، إلى مساحات الضوء الذي يعقب الليل الطويل.


القلب نورسٌ وحيد
9 مارس 1999

ليس قلبي هو النورس الوحيد، وإلا لكنت أجوب البحار الزرقاء، وأغازل السفن الماخرة للمحيطات، وأستكشف الجزر الغارقة في المرجان، وألعب هنيهة مع عرائس البحر، قبل أن أتحدى الريح بجناحين لا يعرفان الكلل، ولكن هذا القلب النورسي المنفتح على المجرات والكون هو قلب المبدعة العربية غادة السمان، ذلك القلب الذي ينبض في دواخلنا عقوداً من السنين الجميلة، وهي تحلّق بجناحين أبيضين كزبد البحار العريضة في ملكوت الحرف والبصيرة والمغامرة على ضفاف النار ومعاناة الخلق.
أمام جناح دارة الطليعة البيروتية في معرض الكتاب في أبوظبي، توقفت لإلقاء نظرة، فإذا بي أمام بيدر من القمح الذهبي، كأنما هو سبائك الضوء من إنتاج غادة. إثنان وثلاثون كتاباً تصطف كالعرائس، لا ينافسها سوى إنتاج مواطنها وصديقها الراحل نزار قباني في جناح آخر قريب، وكلا الإثنان – غادة ونزار – يصدران عن نفسيهما: منشورات غادة السمان، ومنشورات نزار قباني، فقد أدرك الإثنان منذ وقت مبكر أنهما يكتبان لجماهير واسعة ينبغي أن يتصلا بها مباشرة، لا عبر الوسطاء من الناشرين الذين يقول فيهم الكتاب الآخرون ما لم يقله مالك في الخمر، وبذلك أراحا واستراحا.
بعد أن قرأت (الرواية المستحيلة… فسيفساء دمشقية) لغادة، أصبحت أقرأ كتبها بعين أخرى، بعين الوجدان والشجن، كأنما أقف على الأرض المسحورة لطفولتها لأمد يديّ عالياً إلى عناقيد العنب التي عتقها ذلك النسغ الذي لا يكف عن الحنين، أستكشف نبض العروبة المنتظرة، والتي لم تأت أبداً كما لم تعد الأندلس في كل حرف من حروفها، كأنها الأم الملتاعة لآخر ملوك بني الأحمر وهي تذبح إبنها بالكلمات لعلها تستولد من رماده مجداً يرحل أمام عينيها، وذلاً يقبل ولا تستطيع دفعه.
كتاب (القلب نروس وحيد) هو آخر كتب غادة، إذ أن طبعته الأولى في سبتمبر 1998، وهو من كتب الرحلات الممتعة، إذ أنك تعيش معها حقاً في المدن التي لم تعرفها، كأنك كنت معها نبضاً لنبض، ورؤية لرؤية، وإحساساً لإحساس، في الأنلدس وجزر اليونان المنسية، في روما وبرلين، في نيويورك وجنيف، في ذاكرتك المثقلة بالتذكارات والمدن المحطّمة، وفي قلبها الذي لا يرحل عن بيروت ودمشق إلا إليهما، كتابات الرحالة غادة تشبه غرف المرايا، حيث يتعمق المنظر في الروح في الدهشة في الذاكرة في الحياة، وحين تفيق من القراءة لا تدري إذا كنت حقاً تقرأ أم أنك تحلم، أم أنك تسيح مع السائحين. وقد أهدت غادة كتابها إلى “من يرتعش شوقاً حين يرى خريطة العالم أمامه، إلى من قلبه نورس فضولي مسكون بشهوة انتعال الريح، ووسواس المسافات، وغواية المجهول. إلى من قلبه صعلوك وحيد يتقن حرفة الدهشة… أنا معك، وهذا الكتاب لك”.


رسائل الحنين إلى الياسمين
3 يوليو 1999

أحمل معي هذا الكتاب… الباقة في كل وقت وفي كل مكان. أرتشف منه قطرات من ندى الكتابة وسلسبيل العشق وهوى الأيام التي ترحل وتتركنا للحنين، نتوسل نسمة حب.
وددت لو أكتب لغادة السمان التي بعثت لي كتابها من باريس مدينة النور، لأقول لها: “ما أجمل هدايا المطر أيتها الأميرة الدمشقية… ها أنت ذا للموسم الألف لا تخلفين مواعيدك ولا تخونين عشاقك، ولا تهربين من جراح الياسمين، ولا تتنكرين لدموع الشعر وصباباته.
أتمنى أن تمطريننا بهداياك ألف عام قادم من البوح والشذى، من الصّوت والصدى، من هذا الهديل الذي يطرق نوافذ الصبح، ويسبل عيون الليل، ويناغي جراحنا التي طال صبرها على النزف، وطال رحيلها في أغوار النفس.
ها نحن عبر محبرتك نعيد تشكيل ذواتنا، نعود إلى طفولة كالربيع، وإلى حبيبة لم تزد عن أمس إلا إصبعا، وإلى عريشة تحنو علينا حنو المرضعات على الفطيم. نعود إلى بكارة اللثغة الأولى، التي قال عنها صلاح عبدالصبور: “أعطيك ما أعطتني الدنيا من التجارب والمهارة، لقاء يومٍ واحدٍ من البكارة”.
نعود إلى مدننا التي أدمنّا، إلى أحيائنا التي عشقنا، إلى بيوتنا التي اطمأننا، إلى مرايا الضوء والظلال والغبار الذي يتوهّج تحت شمس عيوننا كأنه نثار اللؤلؤ المكنون.
مع أمطار قلمك نتسلل إلى أحضان أمهاتنا، نسترجع آبائنا، نصافح المآذن القديمة، نقرأ الكتب العتيقة، ونحمل سلال الفاكهة فيما الوديان ترجع أناشيدنا للحياة.
هل نحن محظوظون إلى هذا الحد الباذخ لتكون ملهمتنا امرأة من الياسمين الدمشقي، وليكون مرشدنا الروحي هذا القلم المعمّد في ينابيع الصدق والجمال… هذا القلم المثقف حد الغفران، الغافر حد النسيان:
“أكره أخلاق المنشار، الذي لا يحقق ذاته إلا وهو يقص الآخر، لكنني لا أستطيع التخلي عن أصدقائي، لمجرد أنهم غدروا بي مرة، ولا عن حبيبي لمجرد أنه خانني مرة، ألم أغدر أنا أيضاً مرّة، وأخون مرّات؟”.
أحمل معني كتاب (رسائل الحنين إلى الياسمين) لأتعلم الفرح، وأستلذّ البكاء، ولكي أتجذر في الوفاء… أقول لصاحبته: “ما أكثرك وما أقلنا، وحين يتوالد العرب بقدر أحلامك وعذاباتك، وهذا الهوى المشبوب في كل نبض من كلماتك، سيتعلّمون مجدداً صناعة الحضارة وعشق أنفسهم”.


المستحيل الجميل
5 يوليو 1999

أسير في شوارع الغربة وحيدة وممتلئة بك، ولكن حرّة كالمطر المتوحّش، أهطل حيث أشاء… على ضفة السين، أو فوق مقعد في مقهى لندني. ليس ثمة من يعتقلني باسم الحب، ويستجوبني، أو يسجنني أو أسجنه، لكن… في الليلة الأولى لموتي سأشعر بالوحشة قليلاً، ربما لأنني سأفتقدك”. من مقطوعات (الحنين إلى الياسمين).
رحلة غادة السمان ومغامراتها ومشروعها الإبداعي، هروب دائم إلى الحرية، إعادة اكتشاف لها، البحث عن الألف وجه التي تتخفى وراءها، سياحة في مجاهيلها، استمطار لبركاتها، عشق لفضاءاتها وآفاقها، تبشير بها، حتى الموت لديها، ما أحلاه في كنف الحرية وما أليقه بالإنسان… الموت على كف الحرية هو ولادة أنقى وأصفى وأشف وأرقى. هل أجازف فأقول إن حرية غادة نزوع حارق إلى موت لائق؟ أو انبعاث خارق؟.. استباق وسباق مع كل ما يموت حتف أنفه… تحرير للروح الخالدة من أسر الفناء وصراعات البقاء، وتدليسات الفُرقاء.
الحرية هنا ليست قوانين اشتراعية، ولا هبات سلطانية، ولا موتاً مجانياً… هي إحساس عميق داهم فادع بفرادة الإنسان وقدسيته، الإنسان الكون، الإنسان الخلق، الإنسان الولادات الدائمة، الإنسان النسغ والشجرة، الإنسان الذي تفيض من أعماقه تواريخ العذاب ومعاناة التحولات وحرائق النار، وأساطير المواقد، وأحلام الشعراء، ودموع الأمهات الثكالى على خرائب المدن.
إنسان غادة لا تُشترى حريته حتى بالحب… الحب جميل وعذب وغذاء، لكنه ليس مكافئاً عادلاً للحرية، وليس بديلاً لها، وعندما يتعلق الحب بشجرة الحرية وتلمسه بعصاها الحسرية يكف عن أن يكون حباً ويصير حرية يصدح بموسيقاه في الأبد.
حرية غادة رفض للسجون وأعلاها ما نبنيه بوحشيتنا وأنانياتنا وأطماعنا وتمييزنا وأصناف جهلنا… رفض للأقنعة التي تتلبس الرحمة وباطنها العذاب، تنسج من شرانق الحرير مشانق ناعمة وقيوداً حالمة، تحطم أخلاقنا بإسم الأخلاق، تطردنا من أوطاننا بإسم الأوطان، تخنقنا في أحلامنا بإسم الوعي، تمنع عنا ضوء الشمس بإسم الصحة، تجعلنا تلاميذ مؤدبين في مدرسة الحياة، نلبس زياً موحداً، ونؤدي نشيداً واحداً، ونقتل من لا يشبهنا، أو يختلف عنا دون أن يرفّ لنا جفن.
أعرف أن مشروعها مستحيل، وأظنها تعرف، لكنه المستحيل الجميل… المستحيل الذي شبت نيرانه في أجنحة الشعراء، وعقول الفلاسفة، وأحلام المصلحين، وحكايات شهرزاد وهي تحاول بالكلمات أن تضع حداً لتاريخ القتل.


غادة السّمان في عدن
19/11/2006

لعلها من المرات النادرة التي تخرج فيها عصفورة الشام الذهبية غادة السمان عن مسارها الغربي لتتجه إلى عدن شرقا، وكان ذلك في مطلع سبعينيات القرن الماضي قادمة من بيروت التي كان يأتيها رزقها رغداً من كل فج عميق، قبل الانفجار الكبير في منتصف السبعينيات الذي أدخلها في نفق مظلم لم تخرج منه حتى الآن، وكانت عدن آنذاك قد دخلت في النفق وأوغلت قليلاً، ومن كُتبت عليه خطى مشاها.

ذهبت إلى غادة في فندق الهلال «كريسنت هوتيل» بالتواهي وكانت المسحة الملكية لا تزال تطبع الفندق بجلالها، فوجدتها جالسة في بهو الفندق وحيدة إلا من كأس لا تدري أيهما كان أكثر بريقاً من الآخر الكريستال البوهيمي الغني بالضوء، أم هذه القادمة الفاتنة من مدينة تسبح في الأضواء، تشع كأنها فص ألماس على كرسيها الوثير، فلم تكن قد خرجت بعد إلى الأجواء المغبرة طبيعياً إضافة إلى تغبير الناس، فقد كان ملعب التواهي الترابي لكرة القدم موقعاً مفضلا للتدريب العسكري لكوادر الدولة رجالاً ونساء زرافات ووحدانا بالملابس الخاكي والوجوه المزمومة، وغالباً ما كان يمر الرئيس سالمين فيحيي من بعيد أو يترجل للتفتيش فتلتحم الصفوف بين رفع وخفض: يسار دور، يمين دور، محلك سر، وضع استعداد، انبطاح.. لمّا الواحد «يشوف أمّه عروسه» وقد لكزني ذات صباح المرافق العسكري أحمد صالح حاجب وهمس في أذني «تصدّق عارهم» هذه مسرحية من لا يعرف الحروب، خفت على نفسي أكثر مما خفت على حاجب، ففي مقابلي تماماً جدار أمن الدولة وللجدران آذان.

ما علينا، قلت لغادة التي كانت في شهر العسل أو على ضفافه، والتي قدمت برفقة زوجها الناشر المرموق بشير الداعوق، المشغول بترتيبات سياسية وطباعية ورفاقية، فهو من أعيان اليسار، يسار بيروت وليس يسارنا. قلت لها إنني مُرسل من قبل وكيل وزارة الإعلام عبدالرحمن عبدالله إبراهيم لوضع برنامج ومرافقتها إن رغبت، وقد أسعدتني بقبولها، ولكنها رفضت أن نذهب إلى مكتب الوكيل لشرب فنجان من القهوة قائلة إنها لا تطيق لقاء الرسميين، فتلفنت للدكتور المعروف بتواضعه ونفوره هو الآخر من المسؤولين فقال لي عبارة عمر الجاوي الأثيرة:«إذا لم يأت هذا الجبل إليّ فلأذهب أنا إليه» وفعلا جاء إلى حضرة البريق، وقد أخذتها لجولة في عدن عند المغيب حيث تلبس المدينة غلالة السحر ويتحول البحر إلى عاشق مليء بالشجن. وقد صعدنا إلى (معاشق) وارتقينا درج (الفنار) على شفق المغيب فشاهدنا البواخر الماخرة على خط الانكسار في خليج عدن حيث تبدو كأنها على حافة هاوية، وقد سُحرت غادة وهي تستمع إلى تكسر الأمواج عند أقدام الجبل المهيب وصولاً إلى خاصرته وهبوب النسيم الذي طيّر شعرها كل مطار. إن من يرى عدن من (معاشق) وإطلالاته المتعددة لن يسيغها بعد ذلك من موقع آخر.

في صباح اليوم الثاني كنت قد نشرت مقالاً مضمخاً بالحنين في وصف غادة التي كانت شهرتها تفوح فوح الياسمين في وادي تبن، وذلك في جريدة «14 أكتوبر» وسلمتها الجريدة ونحن نستعد للذهاب إلى لحج دون تخطيط لرؤية المحافظ العم عوض الحامد، استئناساً بالدرس الذي تعلمته من زيارة محمود درويش، حين أوشك أن يُغمى عليه مما أرهقه به من فائض الأحمال، وما إن خرجنا من باب (الكريسنت) حتى وجدت ثريا منقوش في وجهي: يا خفي الألطاف نجّنا مما نخاف، من هذي يا ابن النقيب، أنا عيني مليانة منها. قلت باقتضاب يكاد يكون جفاء: غادة السمان. وفين رايحين. قلت: لحج. «خلاص أنا باجي معكم». وصعدت إلى السيارة لتقود الركب، فرانت غمامة من الكآبة على وجه الضيفة التي انتقمت منها أشد الانتقام في القصة التي كتبتها من وحي عدن «الساعتان والغراب» في مجموعتها «رحيل المرافئ القديمة»، وكان اسم بطل القصة (فضل النديم) وقد تعلمت من أسرار الكتابة الروائية في تلك القصة أكثر مما تعلمت من الكتب الأكاديمية. كان الغراب نذيراً والنافذة كوّة في سجن، أما الأحلام الوردية فكانت خيالاً في خيال مما يبرع في نسجه المبدعون.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s