دفاتر الأيام – 1

كان ذلك في عام 1970 وكنت قد تخرّجت جامعة القاهرة قبل أشهرٍ قليلة تحدوني الآمال العريضة في المستقبل، ولم أكن أعلم أن وراء الأكمة ما وراءها، وأنني في الصّيف ضيّعت اللبن، وإن سفر العودة إلى عدن سيضعني في مثل موقف أحمد الصافي النجفي عندما عاد إلى بغداد أعمى فهتف: يا عودة للدار ما أقساها.. أسمع بغداد ولا أراها.
ذلك أنه يوم الإعلان نتيجة التخرّج في صيف 1969، وأظن ذلك كان في شهر أغسطس، أجرت معي زميلتي المصرية (ماجدة موريس) حديثاً قصيراً نشر مع صورتي أسفل الصفحة الأولى من جريدة الجمهورية القاهرية تحت عنوان: (الأول على قسم الصحافة من اليمن) وكنت فخوراً بذلك أحمل الشهادة بيد والجريدة باليد الأخرى، ولم أكن أعلم أنني بذلك كمن يحفر لنفسه حفرة بيديه.
سألتني الزميلة التي أصبحت اليوم صحفية مرموقة في حقل النقد السينمائي بجريدة (الجمهورية) ضمن الأسئلة: بمن تأثرت من المفكرين؟ فأجبتها ببراءة: بعباس محمود العقاد وخاصة عبقرياته الإسلامية.

ما كنت أدري أو أقدّر مدى ردّ الفعل في عدن على جملة مثل تلك، فهناك كانت تلمع في السماء نجومٌ أخرى، وحين وصلت بالطائرة إلى مطار عدن الدولي أسرّ في أذني صديقي الذي استقبلني: “كان لازم تجيب سيرة العقاد” وماذا في ذلك؟ يا أخي الجماعة حاملين السلم بالعرض، وقد قرؤوا الشيوعية من الصفحة الأخيرة، فمنهم من يباري لينين ومنهم من يناطح ماوتسي تونج. قلت: وما العمل؟ قال: “قل يا هادي”، قلت: “يا هادي”.
ومضت الأشهر بطيئة متثاقلة وأبواب العمل مغلقة في وجهي حتى كان ذلك اليوم الذي ذهبت فيه إلى وزير التربية عبدالله عبدالرزاق باذيب، أشكو إليه وضعي وكان ماركسياً أصولياً قرأ الكتاب من الصفحة الأولى، وكان معتدلاً وفي سن النضج، وقد استقبلني بترحاب وقال: اعتبر نفسك تعيّنت مدرساً فهذه حدودي، ولكن اسمح لي قبل ذلك بمكالمة تليفونية، اتصل بجهة ما، وسأل بحضوري: هل هناك اعتراض على تعيين فلان؟ لا أدري بماذا أجاب الطرف الآخر، ولكن الأستاذ باذيب انطلق يقهقه بملء صوته وهو يعلق دون أن ينظر إليّ: فليمدد الحجاج رجليه، ثم نظر إليّ قائلاً بفخامة، أخي، داوم غداً صباحاً في كلية عدن.
ذهبت إلى كلية عدن فاستقبلني العميد عبدالوهاب عبدالباري وهو من أخف خلق الله دماً وأشدهم سخرية، فأخذني في جولة في الكلية وخلفنا تسير ست من الأغنام، سألته عنها فأجابني: “يا ابني افهمها، تربية الأغنام أفضل من تربية هذا الجيل الطالح” ثم أخذ يقهقه وهو يربت على الأغنام ويقول لي: شوف الوفاء والمحبة والطيبة في عيونها، أنصحك لا تعلم الطلبة أي شيء، قلت: وماذا أعمل؟ أجاب: أنا وانت وجميع المدرسين نشتغل سجانين لأن هؤلاء لو خرجوا إما أن يذهبوا إلى (السيسبان) – منطقة مشبوهة بجانب الكلية- وإما أن ينقلبوا ثوار في الشارع فتضيع عليهم الدنيا والآخرة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s