شجاعة النقيب في كتابه (دفاتر الأيّام)

بقلم الشاعر أمين الميسري

هذا كتابٌ ممتعٌ أشدّ ما يكون الإمتاع؛لأن صاحبه الراحل فضل النقيب(1944م- 2012م) شاعرٌ وأديبٌ وإعلاميٌّ. صال وجال في حياتنا الثقافية والسياسية، وكان شاهد عيان في فترة من أحلك الفترات والصراعات السياسية الّتي شهدها الجنوب اليمني وخاصة مدينة عدن،وهي مرحلة السبعينيات التي وقف عندها الكاتب وقفة طويلة. وهي كافية لم ينتبه لها السّاسة الثوريون والجبهويون القوميّون والتحريريون،والناصريون،والبعثيون، والاشتراكيون، والشيوعيون في عدن. وكان هؤلاء- في رأيي الشخصي- أن ذهبوا إلى مزبلة التاريخ، وليت هؤلاء وقفوا عند هذه المرحلة، ولكنّهم تمادوا في غيّهم وجهلهم وقتلهم وسفكهم ومؤامراتهم وصراعاتهم التي لن ولم تنته، وكانت النهاية أن سلّموا البلاد على طبق من ذهب في تاريخ 22مايو1990م. والشعب في الجنوب لم يجنِ إلاّ ويلات المؤامرات والخيانات والاغتيالات والتصفيات الجسدية والمطاردات والزّج في السجون والخيبات والانكسارات والحقد الدفين.

كنتُ منذ فترة وعلى صفحتي في الفيس بوك، كتبتُ مقالةً، تحدّثتُ فيها تحت عنوان: مَنْ يكتب تاريخ الجنوب؟ بنزاهة وصراحة. وقلتُ: إننا بحاجة إلى توثيق كل المراحل التي مرّ بها الجنوب اليمني، وبحاجة –أيضاً- إلى كتّاب شجعان ونزهاء، يسجّلون كل صغيرة وكبيرة.

هذا التوثيق نحن بحاجة إليه، لكي يطلع عليه أجيال المستقبل، ولكي – أيضا – لاتتكرّرأخطاء الماضي.

لقد قلتُ سابقاً، إن كتاب (دفاتر الأيام) للشاعر والأديب فضل النقيب، كتاب ممتع أشد ما يكون الإمتاع؛لأنّه سجّل فيه ذكرياته التي شاهدها وعاشها في فترة السبعينيات، بكل أوجاعها وألآمها. ولو بقي في فترة الثمانينيات والتسعينيات لَكَتَبَ الجزء الثاني والثالث من كتابه. لكنّه لن يسلم من الرفاق، أو ربّما يكون في عداد الموتى.

الكتاب مرح وَفَكِه فيه من النكتة السياسية اللاذعة المضحكة، والسخرية المهذبة الراقية.

إن الكاتب فضل النقيب سجّل – في كتابه – قصب السّبق في نقد هذه المرحلة بكل شجاعة، وكان ماهراً في تشخيص شخوصها، ومسرح أحداثها، وهو – أيضاً – بارعٌ في سردها اتخذها كالقالب القصصي.

إن الشخصيات التي يعرضها النقيب في كتابه معاصرة له منها: السياسي، والأستاذ، والشاعر، والوزير، والإعلامي، والموظف، والإداري. كما له قدرة فائقة في وصف هذه الشخصيات، وسبر أغوارها. وقبل أن نقتطف من الكتاب شيئاً ما، هذه عناوين فهرسته الذي ربّما تجذب القارىء في قراءة الكتاب:

*غنم العميد

*معركة بالأسنان والأيدي

*نكد الدنيا

*ياقاتل يامقتول

* لايموت الذئب.. ولاتفنى الغنم

* حكمة الإمام ومقالب العميد

* ماجدة موريس والعمة فوزية

* نجوم الإذاعة

* هذا عمر الجاوي

* هكذا عمر الجاوي

* غيان عدن.. الدحان

* التأميم.. ومن قلك

* الجرادة وصانونة الموز

* الجرادة.. ومال.. وضرب من المحال

* كلمات قاتلة

* درويش – والسلطان عوض ألحامد

* السلطان عوض شاعراً وعاقلاً

* مؤتمر صحفي للغربان

* مع سالمين

* في طرابلس

* مفقود في القاهرة

* مشكلة سالمين.. وقاضية في البار

* حكومة القطيع

* زواج الجاوي بثريا منقوش

*الأخ ثريان

* أوضاع قاتلة

* مبكيات مضحكات

* الدحان والنعمان

* الأيام السبعة المجيدة

* شر البلية مايضحك

* حكمة الصين

* ثمار الأيام السبعة المجيدة

* طوسان فريد بركات

* أركان حرب سالمين

* حمار الشطيري وعرس القاضي

* المسطرة

* محسن صالح وذكريات السجن

* مهمة وزارة الثقافة

* الوطن- الصيانة والإهانة

* اعتقال طرموم

* دهشة المحضار

* الاشتراكية اليمنية

* عبدالفتاح اسماعيل

* سالم زيد محمد

* محسن الأخ الكبير

* بنات محسن

* الرفيق نايف حواتمة

* المؤتمر الخامس وفرص الصعود

* مأساوية.. عشبية.. هشاشة

* السياسة.. والجوكر

* شافعل مثل قايد

* من حر عدن إلى برد صنعاء

* الارياني مع القاضي الأستاذ نعمان

* في حضرة الربادي

* التقدميون تقدموا والرجعيون رجعوا

* صنعاء.. وإن طال السفر

*وداعاً لليمن

يقول فضل النقيب مقدمة كتابه:

((كان ذلك في عام1970م وكنت قد تخرجت من جامعة القاهرة قبل أشهر قليلة تحدوني الآمال العريضة في المستقبل،ولم أكن أعلم أن وراء الأكمة ما وراءها، وأنني في الصيف ضيعت اللبن،وإن سفرالعودة إلى عدن سيضعني في مثل موقف أحمد الصافي النجفي عندما عاد إلى بغداد أعمى فهتف:

ياعودة للدار ما أقساها

أسمع بغداد ولاأراها

ذلك أنه يوم إعلان نتيجة التخرج في صيف1969م، وأظن ذلك كان في شهر أغسطس أجرت معي زميلتي المصرية(ماجدة موريس) حديثاً قصيراً نشر مع صورتي أسفل الصفحة الأولى من جريدة الجمهورية القاهرية تحت عنوان(الأول على قسم الصحافة من اليمن)، وكنت فخوراً بذلك أحمل الشهادة بيد والجريدة باليد الأخرى، ولم أكن أعلم أنني بذلك كمن يحفر لنفسه حفرة بيديه.

سألتني الزميلة التي أصبحت اليوم صحفية مرموقة في حقل النقد السينمائي بجريدة الجمهورية ضمن الأسئلة: بمن تأثرت من المفكرين؟ فأجبتها ببراءة: بعباس محمود العقاد وخاصة عبقرياته الاسلامية.

ما كنت أدري أو أقدر مدى رد الفعل في عدن على جملة مثل تلك، فهناك كانت تلمع في السماء نجوم أخرى، وحين وصلت بالطائرة إلى مطار عدن الدولي أسر في أذني صديقي الذي استقبلني: كان لازم تجيب سيرة العقاد.. وماذا في ذلك؟ يا أخي الجماعة حاملين السلم بالعرض، وقد قرأوا الشيوعية من الصفحة الأخيرة فمنهم من يباري لينين ومنهم من يناطح ماوتسي تونغ.

قلت وما العمل؟ قال: قل ياهادي.. قلت: ياهادي.

ومضت الأشهر بطيئة متثاقلة وأبواب العمل مغلقة في وجعي، حتى كان ذلك اليوم الذي ذهبت فيه إلى وزير التربية عبدالله عبدالرزاق باذيب أشكو إليه وضعي وكان ماركسياً أصولياً قرا الكتاب من الصفحة الأولى، وكان معتدلاً وفي سن النضج، وقد استقبلني بترحاب وقال: اعتبر نفسك تعيّنت مدرساً فهذي حدودي… ولكن اسمح لي قبل ذلك بمكالمة تليفونية.. اتصل بجهة ما وسأل بحضوري.. هل هناك اعتراض على تعيين فلان؟ لاأدري بماذا أجاب الطرف الآخر، ولكن الأستاذ باذيب انطلق يقهقه بملء صوته، وهو يعلق دون أن ينظر إلي: فليمدد الحجاج رجليه.. ثم نظر إلي قائلاً بفخامة: أخي… داوم غداً صباحاً في كلية عدن.

ذهبتُ إلى كلية عدن فاستقبلني العميد عبدالوهاب عبدالباري وهو من أخف خلق الله دماً وأشدّهم سخرية فأخذني في جولة في الكلية وخلفنا تسير ست من الأغنام ويقول لي: شوف الوفاء والمحبة والطيبة في عيونها.. أنصحك.. لا تعلم الطلبة أي شيء.. قلت: وماذا أعمل؟ أجاب: أنا وأنت وجميع المدرسين نشتغل سجّانين لأن هؤلاء لو خرجوا إمّا أن يذهبوا إلى (السيسبان)- منطقة مشبوهة بجانب الكلية – وإمّا أن ينقلبوا ثوّاراً في الشارع فتضيع عليهم الدنيا والآخرة)).(ص5و6).

وفي فصل عن (الأيام السبعة المجيدة) يقول فضل النقيب:

(هل أحدّثكم عن الأيام السبعة المجيدة؟ لقد كانت أتعس أيام مرت على مدينة عدن، تستطيع أن تقول: إن العاصمة خلال تلك الأيام قد طحنت وخبزت وأكلت في دورة حياة أو موت كاملة، فالأمر سيّان حيث لم يعد هناك من فرق.

أخذت تتدفق على المدينة على مدار 24ساعة جماهير غاضبة من الأرياف( على أيش غاضبة .. ماتدري؟) يحملون الفؤوس والهراوات والسكاكين والبنادق ينظمون مسيرات حاشدة هادرة ، ويرددون شعارات(ثورية) ب( تخفيض الرواتب واجب)و ( تحرير المرأة واجب) و (تقطيع الشياذر (العبايات) واجب) ولكن كان التركيز كان على تخفيض الرواتب؛ لأن ذلك هو السكين التي ستحز رقبة المدينة التي ليس لدى أهلها أي مصدر للدخل سوى الرواتب. فمن المعروف أن عدن أرض بركانية قاحلة لازرع فيها ولاضرع، وأنها أقل نقطة في قارة أسيا بأسرها تسقط فيها الأمطار.

وبين عشية وضحاها جرى اعتقال حوالي خمسة آلاف موظف بصورة غير قانونية ومن قبل المتظاهرين أنفسهم، ولكن الجهات التي كانت تستقبلهم وتعيد تأديبهم وفق(النهج الجديد) كانت جهات منظمة، وقد أصيبت العائلات برعب لامثيل له ؛ لأنها لم تكن تدري ما مصير المعتقلين المخطوفين هل أصبحوا طعماً للأسماك أم أنهم مازالوا أحياء يرزقون) (ص61و62).

هامش: كتاب(دفاتر الأيام) صدر عن وزارة الثقافة اليمنية صنعاء. الطبعة الأولى 2006م.

أمين الميسري.

26ديسمبر2020م

اترك تعليقًا