بذرة قمح

اطلبوا العلم ولو في الصين، هكذا قال الحكماء وهي وصية لا تقدر بثمن، إن لم تكن إحدى أمهات الوصايا لبناء الإنسان والأوطان وتحقيق عمارة الأرض والحياة، ولو أنصفنا هذه الوصية لعلقناها تميمة في عنق كل مولود، وفي زند كل شاب مفتول العضلات، وعلى جبهة كل رجل ودع الصبا واستقبل الرجولة، وفي أذني كل فتاة وامرأة تشتري اليواقيت والألماس والذهب أحمره وأبيضه، وتنسى حلية العلم الذي يضيء النفوس ويبهج القلوب ويجعل الوجوه رقراقة ندية والأرزاق سهلة هنية والأوطان منيعة قوية. ولأن العرب “بضاعة كلام” فإنهم يتحدثون عن العلم دون علم، لذلك كلما ازدادوا علما في الأوهام ازدادوا جهلا في الواقع وإذا نبغ فيهم العالم والمبدع والمخترع سدوا أمامه كل طرق الترقي ورموه بالابتداع، ثم يضعونه على؟ المسَّفُّود وكما يضعون المشاوي التي يطربون لها طرب الإبل إلى الحداء في ليل الصحراء وفي نهارات وقد الرمضاء. وترى الأشداق على المنابر تهدر كالجمال حين ترغي، لأن واحداً من الناس اجتهد ورأى وقال ما رأى وقد يكون على الصواب فيصلهم نفعه وقد يكون على خطأ فلا يضيرهم أمره لأن الزبد يذهب جفاء «وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».
ولو تدبر الناس أبعاد هذه الآية الكريمة من بين مئات الآيات التي تحث على العلم وتدعو إلى التفكر في خلق السماوات والأرض وتنبذ التقليد لتوصلوا إلى قواعد جديدة للتفكير والعلم والعمل والتجريب ولرحبت الصدور وتفتحت العقول وانثالت مزون التسامح والتوافق والحوار انثيال الأمطار من السحب الجون التي تخصب الأرض وتمرعها.. لعلكم تتذكرون جيدا تسلمنا عدن من الاستعمار البريطاني عام 1967، وقد كانت إحدى درر التاج وميناء غرب آسيا وشرق وأواسط أفريقيا “يأتيها رزقها رغدا ليلا ونهارا” حيث كان اقتصادها قائما على الخدمات وما أكثر حاجة الملاحة البحرية والجوية إلى الخدمات، وكانت بنت شمسان الأبي فرس رهان مع كل من سنغافورة وهونج كونج فهي مثلهما بلا موارد طبيعية سوى إبداع الإنسان في عالم الخدمات والسياحة الوامضة شأن الترانزيت العابر.
وكان أول ما فعلناه بها أن عقرناها كما عقر قوم صالح الناقة ويروي فواز الطرابلسي الذي كان في قلب المشهد أن محمد علي هيثم وكان رئيسا للوزراء قد حدثهم عن جهود تبذل لبناء الدولة ومؤسساتها وإحكام قوانينها وترقية اقتصادها انطلاقا مما هو قائم ومجرب. يقول فواز: خرجت أنا ووفد الحزب الشيوعي اللبناني من مقابلة هيثم محبطين. إذ كيف لهذا الثائر أن يفكر في إحياء بنى قديمة وهياكل استعمارية بدلا من العمل على تقويضها وتكسيرها كما حطم سيدنا إبراهيم الأصنام (التشبيه من عندي). ويبدو أن الجماعة قد قرأوا الفاتحة على تلك الثورة اليمنية الجنوبية التي كانت كلها بشائر.
يضيف فواز: ثم ذهبنا لمقابلة المناضل عبدالفتاح إسماعيل فحدثنا عن تحطيم البنى القديمة ودفن الإرث الاستعماري واستنبات البراعم الثورية، فأعاد إلينا الطمأنينة، وكان لا بد أن تنكسر النصال على النصال بين الثورة والثورة المضادة. ما علينا فخار يكسر بعضه في عالم رث تحكمه النزعات اللاعقلانية والايديولوجيات التي لا جذور لها ولا فروع، ويعيش حياته وثوراته بالرغائبية التي تريد أن تقول للشيء كن فيكون. وطبعا هذا لا يكون إلا لرب العرش العظيم أما البني آدم فخلقوا في كبد ومعاناة وما لم ينر الله عقولهم وقلوبهم فإن حالهم ومآلهم كالدبور الذي يزن على خراب عشه:
متى يبلغ البنيان يوما تمامه
إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
ونحن نعرف المعادلة أن هداما واحدا يستطيع تفكيك ما بناه مائة في عام، وذلك في يوم واحد. أين سنغافورة الأكثر شبها بعدن من بنت شمسان الأبي. لي كوان حاضر بالسعودية وهو باني سنغفورة الحديثة الأعلى دخلا في العالم «30.000 دولار» متوسط دخل الفرد سنويا يقول: “لقد أدركنا الحكمة الصينية التي تقول: سنة واحدة ضرورية لكي تنمو بذرة قمح، وعشر ضرورية لكي تنمو شجرة، ومائة ضرورية لكي ينمو إنسان” يعني كل جيل يفكر في بناء الجيل الذي يليه، لا في نفسه وأولاده وليأت الطوفان على المجتمع.. ونحن أبناء السعيدة ماذا عنا؟
خمسون عاماً في كتاب الهوى
ولم نزل في الصفحة الأولى
شكرا للأخ رضا الأغبري الذي أرسل لي بالفاكس نبذا من محاضرة لي كوان، ومعذرة من نزار قباني رحمة الله عليه وللموضوع صلة.

اترك تعليقًا