مابعد الطوفان ..

التجاوب العربي والدولي مع مأساة الإعصار البحري الذي ضرب بأمطاره وسيوله أجزاء واسعة من اليمن، يدل على ما لبلدنا من مكانة ووزن وما لشعبنا من احترام وحب، وهو الشعب الذي عرف عنه العمل الجاد والدأب الجميل والتواضع والدماثة وصنع الحضارة بصمت والذي ساهم في بناء الحياة الحديثة على امتداد جزيرة العرب والخليج العربي منذ بداية عصر النفط، وقبل ذلك كان له الوجود الفعال الذي يحظى بكل الاحترام في شرق أفريقيا في السودان والصومال وكينيا وتنزانيا وأثيوبيا مع امتدادات إلى العمق الأفريقي، كما كان له دور مؤثر ومشرق في شبه القارة الهندية، وبلاد الملايو وأندونيسيا وفي مهاجره الغربية عمل أبناؤه في السفن الفرنسية من مرسيليا وإليها، وفي الصناعات الانجليزية في ليفربول وبرمنجهام وشفيلد، ثم عبروا الأطلسي إلى الأرض الجديدة «أمريكا» ولهم وجود مرموق بين الجاليات العربية هناك، ولا يزالون أبناء الحياة وصناعها ولهم اليوم وجود متنامٍ في الصين مركز التجارة العالمية الجديد، كم كنت أود أن يكون لسياسيينا أو من يدّعون ممارسة السياسة، ولكنهم لا يرون أبعد من أنوفهم التي فقدت حاسة الشم أن يطيروا إلى هذا الأفق ويقرأوا مابين السطور فيجعلوا من المأساة قاعدة لوحدة وطنية عميقة مبنية على الاحترام المتبادل والسعي إلى الأهداف النبيلة التي يعود خيرها على الشعب لا على حفنة احترفت النقار والشجار ومحاربة طواحين الهوى، ولم تعد قادرة على التمييز بين وقت الجد ووقت اللهو . نعم : الذين يحترمون اليمن ويقدرون شعبها ويتعاطفون مع مأساتها يأتون برا وبحرا وجوا بخبرائهم وخبراتهم ومعداتهم وأموالهم وجهدهم المشكور، فيما بعض أهلنا يقفون موقف الذي يرى الحريق في بيته وهو يعمر «بوري» في الجوار مستشهداً بالمثل البائس «إذا احترقت صنعاء عمر بوري» إن الذي قدموا أنفسهم في النيران لإنقاذ الحياة ومعاونة الضعفاء هم الذين سيكونون أبطال المرحلة ذلك أن البطولة ليست شقشقة لسان وإنما هي فعل إيمان وعمل جسور حيث لا وقت إلا للمعاول والبناء، وحتما سيحصد كل نتائج عمله لأن الشعب أذكى وأنبل من أن يخلط بين الأعمى والبصير وبين الظلمات والنور.

لقد وصل الإخوة السعوديون «ومن طول الغيبات جاب الغنائم» كما يقول المثل العربي وكان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في عين السهى بتبرعه الكريم بمائة مليون دولار (02 مليار ريال يمني) لأعمال الإنقاذ والإغاثة، وهذا يفتح الباب على مصراعيه للشعب السعودي الشقيق للمشاركة، فشعبانا ليسا سوى فرعين من شجرة واحدة، ولن أجد من الكلمات أفضل وأنبل وأوفى من الكلمات التي قالها الرئيس علي عبدالله صالح في برقيته لجلالة الملك وولي عهده، وقد توافدت الطائرات من مصر وعمان وليبيا ومن مغترب يمني في الإمارات لم يشأ حتى ذكر اسمه جهز طائرة إغاثة من حر ماله – إنه أمة لوحده – ففي الليلة الظلماء يفتقد البدر، وشكراً شكراً للجميع.

أما الأحزاب في بلادنا والتي تشتكي دائما من أنها لا تحصل على هامش عمل وأنها مهمشة ومعزولة فقد جاءتها الفرصة للنزول إلى الميدان وكسب ثقة ومحبة الناس وبناء بيتها السياسي ببنائها لبيوت المتضررين، فهل هي في مستوى المحنة، وفي طاقة الإنجاز، أم أنها تريد محاصصة فتأكل نصيبها من الشعبية باردا دون قطرة عرق واحدة!!

هذا يخالف قوانين المنطق وتجليات السياسة وأصول الشعبية التي تؤخذ ولا تعطى – وفي هذا الوقت فإن الكثير من الكلام مأفون لأنه يعيق العمل «قل خيرا أو فاصمت» وذلك أضعف الإيمان .

ألفت نظر الجميع إلى أن الطوفان قد غير جميع المعادلات كما كان شأن طوفان نوح في طفولة الإنسانية وطوفان العرم في الذاكرة اليمنية والعربية، وسنبدأ في التاريخ بما قبل الطوفان الشرقي وما بعده، وكلمة أخيرة للاعبين من منازلهم والمتفرجين « هذا أوان الشد فاشتدي زِيَمْ» تُرى.. هل فهموها ؟ أرجو من كل قلبي.

 

اترك تعليقًا