أمسٍ الأوَّل أخذتْ وقائع أو نتائج ما جرى في أرض الطُّوفان في حضرموت والمَهَرَة، تظهر وتتكشَّف وتبرز عاريةً، ولو جُزئياً، على الملأ، فقد نزلت طواقم التلفزيون إلى الميدان بعد أن نفضتْ عنها نُعاس أهل الكهف، وأبلت بلاءً حسناً ندعو اللَّه تعالى من كُلِّ قُلوبنا أن يستمرَّ ويتعمَّق وتتوفَّر له الكوادر البشرية المُتمكِّنة والإمكانيات الفنِّيَّة والوسائل اللُّوجستية التي يقوم عليها مُحترفون وليس هُواةً ممَّن يجدون لهم في كُلِّ عُرس قُرصاً بالعلاقات الشخصية والفهلوة وبِبِرَكَة دُعاء الوالدين.
إجمالاً، سمعنا المُتضرِّرين الذين رأوا ولم يسمعوا – وشتَّان بين مَنْ رأى وَمَنْ سمع – يتحدَّثون بأفواههم ولم يكونوا بحاجةٍ إلى مَنْ يتحدَّث بالنيابة عنهم، فالنار ما تحرق إلاَّ رِجل واطيها، ومع التلفزيون الذي خفَّف من الدندنة والطنطنة وإقامة الأعراس واللَّيالي الملاح – جزاه اللَّه خيراً – هبَّت فئاتٌ وفئاتٌ في المُجتمع وتكاتفت سواعد وسواعد، فبدأ الزخم الإنساني الذي يتحدَّى زخم سيل العرم، ذلك أنَّ الحديد لا يفله سوى الحديد، وعلى حدِّ تعبير الشاعر العربي :
«كُونوا جميعاً يا بُنيّ إذا اعترى
خطبٌ ولا تتفرَّقوا آحادا
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسُّرا
وإذا افترقن تكسَّرت أفرادا»
الناس كانوا في حال صدمةٍ كأنَّهم نشروا من القُبور إلى عالمٍ غير عالمهم المألوف، وقد أخذوا يتحسَّسون أوضاعهم الجديدة كالعُميان في وصف الفيل، فيما الأولويات تضرب رُؤوسها برُؤوس بعض، فالماء أولوية، والغذاء أولوية، ومرقد عنزةٍ في ظلِّ صخرةٍ أو خيمةٍ أولوية.
بعض أصحاب النواحي قالوا إنَّ أرضهم أصبحت قاعاً صفصفاً، وبعضهم لم نصل إليهم بعد، والسُّلطات المحلِّيَّة أعجز من أن تتحمَّل بمُفردها عناء تجميع «أيدي سبأ»، لكنَّ أولوية الحياة تقدَّمت كُلّ الأولويات، والكلام لا يكفي، لذا ينبغي إفساح المجال أمام طاقات الشباب، لأنَّ القيادات الحقَّة للمُجتمعات تبرز في المحن، كما أنَّ القيادات المُؤهَّلة من التنابلة تظهر – كذلك – في هذه الأوقات العصيبة، ولذلك على القيادة أن تفتح عُيونها على الآخر، لتستكشف هؤلاء وهؤلاء، فالذين صبروا وصابروا وضحُّوا وخاطروا وتمتَّعوا برباطة الجأش وَسِعَة الأُفق، يجب أن تُفتح لهم الأبواب وتُعقد لهم البنادير، والذين أصابهم الهلع بعد أن ترهَّلوا فأخذوا يُمثِّلون كمسرح «البانتوميم»، بدلاً من أن يعملوا، ينبغي أن يتنحَّوا جانباً، فمن غير المعقول أن نطلب ممَّن تجاوز وزنهم المائة كيلو جرامٍ دُخول ماراثون الزمن والإنجاز والوصول إلى خطِّ النهاية، وإلاَّ «قده جنان»، وهذه من حسنات الأزمات، لكنَّ الأمر يحتاج إلى شجاعة، لأنَّ فُرصة تقدُّم المُجتمع وتجديد دمائه والنظر إلى مُستقبله، تعلو على كُلِّ الحسابات التقليدية والمُوازنات التي ضررها أكبر من نفعها.
ورُبَّما كُنتُ أتحدَّثُ عن جُنودٍ مجهولين في كُلِّ موقعٍ من المواقع، كانت قُلوبهم مع الوطن والمُواطنين، وعن جُنودٍ معلومين تقطَّعت بهم السُّبل في منازلهم ومكاتبهم بعد أن بلغوا من الترهُّل والتبلُّد وعدم الإحساس بآلام الآخرين ما لا يُمكن إصلاحه، بما يضعهم ضمن الفئة المقصودة بقوله تعالى : «وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيْهَا فَفَسَقُوْا فِيْهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقُوْل فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيْرَا».
ولا يَشُكَّنَّ أحدٌ في ذكاء الشعب، ذكاء المجموع الذي غرائزه كالرادار، وبصره حديد، وبصيرته نافذة، وعقله يجمع ويحسب كموازين الذهب، فهؤلاء أوَّل ما ينظرون إلى مَنْ تولاَّهم ومن أيِّ طينةٍ هُو، وإلى مَنْ جاءهم ومن أيِّ معدنٍ هُو، وإذا كانوا اليوم يُطالبون ويشكرون ويحمدون رغباً ورهباً، فإنَّهم إذا مسَّهم الضرُّ الشديد والجُوع القاتل والظمأ اللاَّهث والتشرُّد المهين، سيتحوَّلون إلى عاصفةٍ مدارية، أين منها هذه العاصفة المشؤومة، لذلك حذارِ من وصف الإسبرين لِمَنْ يُعاني من السرطان، وحذارِ من العودة إلى العمل البطيء والتربُّحِ القبيح بعد أن أصبح مئات الآلاف لاجئين في وطنهم، مُعدمين من كُلِّ شيء.
ونقولُ هُنا : إنه رغم أنَّ الصبر عند الصدمة، إلاَّ أنَّ أعماق جهنَّم لم نصل إليها بعد، فما بعد الكارثة هُو الكارثة الحقيقية، وقد لاحظنا أنَّه ما إن عاد الأخ الرئيس إلى صنعاء حتَّى تحرَّكت الفاعليات وَعَلَت الأصوات وتداعى الأنصار، لكنَّ القائد بجُنوده، ويدٌ واحدةٌ لا تُصفِّق، وكاريزما الأخ الرئيس تفتح جميع الأبواب المُغلقة، لكن :
«مَنْ لي بإيقاظ الغُفاة فقد غدوا
في البيت علّة ذلك الإخفاقِ»
يا إخواني، لقد خسرنا معركةً مع سيل العرم، لكن ينبغي أن نكسب الحرب، وهُنا – فقط – سينتقل وطننا من حالٍ إلى حال، وسنحمد اللَّه تعالى عندئذٍ، وليس الآن يا ملوك الصياغات، من أنَّنا كرهنا شيئاً وهُو خيرٌ لنا، ذلك أنَّ اللَّه سُبحانه وتعالى، بسُننه الأزلية، «لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىْ يُغَيِّرُوْا مَا بِأَنْفُسِهِم»، ودعونا نحلقُ لأنفسنا قبل أن يحلق لنا الطُّوفان القادم والشيطان العازم.