الخلطة القاتلة

حقاً أن المحيط بأعماقه الهائلة ومساحاته الشاسعة يمكن قياسه والإحاطة بأبعاده، ولكن الإنسان بأغواره العميقة يستعصي على القياس فجحود النّعم بكفرانها واستخدامها في غير ما تقتضيه الحكمة، ظاهرة شاهدة، لا يجدي معها وعظٌ، ولا ينفع في مواجهتها زجرٌ إلا لدى الأنقياء من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، ذلك أن الكثيرين من البشر إذا ما رتعوا في النعم تُسوّل لهم أنفسهم أن ذلك يخولهم استعباد الخلق وإذلالهم وحتى قتلهم إذا لزم الأمر، وهكذا تجري عليهم السُّنن فيتحولون من منعومين إلى منقومين تطاردهم العدالة الإلهية ويرميهم الناس الذين كانوا يجلّونهم بالحجارة لأنهم تعدوا حدود الله، وجافوا قيم الإنسانية وشرائعها وأعرافها فحلّت عليهم اللعنة.

وقصة الملياردير المصري هشام طلعت مصطفى الذي خطط وموّل عملية قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم في شقتها بدبي والتي ذبحها القاتل المأجور محسن السكري ذبح النعاج بعد أن أوهمها أنه يعمل لدى مالك العقار الذي تقيم فيه ويحمل أوراقاً تخصها، ففتحت له الباب لتجد السكين في نحرها ومن ثم بادرها بالطعنة تلو الأخرى في أنحاء جسدها، فلما سقطت اجتز رقبتها، ثم بدل ملابسه ومضى خارجاً باتجاه المطار معتقداً أنه قد أنجز الجريمة الكاملة التي قبض من أجلها مليوني دولار نقداً غير مصاريف السفر والإقامة أولاً في لندن حيث أفلتت الضحية بجلدها ثم في دبي حيث لقيت مصرعها، وقد كان القاتل مرصودا بكاميرات العمارة في دخوله وخروجه، ويبدو أنه لم يكن له علم بذلك وقد تجمعت الأدلة واحداً إثر الآخر بين دبي ومصر حيث اعتقل القاتل فانهار وسلّم النقود كاشفاً دور الملياردير هشام طلعت مصطفى صاحب أكبر شركة عقارية في مصر وعضو مجلس الشورى ولجنة السياسات في الحزب الوطني الحاكم التي يرأسها جمال حسني مبارك..

يعني الرجل واصل إلى الذرى: أموال لا تعد وسلطة لا تحد، ووجاهة ونفوذ تشي به تعابير وجهه وسطوته وتسلطه، وقد تلاشى كل ذلك ما بين غمضة عين وانتباهتها، عندما رفع عنه رئيس مجلس الشورى صفوت الشريف الحصانة التي ظنها جبلاً يعصمه من الطوفان، كما ظن الخاطئ ابن نوح عليه السلام، وهكذا أخذت العجلة في الدوران، نيابة وشرطة وسجن وصحافة تقلّب تحت كل حجر في حياة رجل أنعم الله عليه بالغنى والنفوذ واللمعان الاجتماعي، ولكنه اعتقد أن لن يقدر عليه أحد، لقد تخلى عنه الجميع فمن يسقط من عين الله يسقط من عيون الخلق.

والسؤال هو: لماذا هذا يا هذا؟ أخبار ما تحت الحجارة المقلوبة تقول أنها كانت صديقته أو عشيقته لسنوات ثلاث، وإن ما صرفه عليها وعلى كليباتها -الأشرطة المصورة- وصل إلى 13 مليون دولار، ثم أن المغدورة عافته نفسها فتخلت عنه ورحلت إلى لندن فبدأت المطاردة التي اختار لها محسن السكري الضابط السابق في الشرطة والذي كان يعمل في أحد فنادق طلعت مسئولا عن الأمن، ولما كان هشام من الوزن الثقيل فإنه لا يرضى بأقل من الذبح بعد أن عمي عن وضعه وأعماله ومسؤولياته وعائلته، وهكذا يسعى الشقي إلى حتفه بظلفه لأنه لم يحدّث بنعم الله وإنما جحدها وكفر بها.

إن خلطة المال والسلطة خلطة قاتلة إذا تولاها الأشقياء قتلوا بها الناس وقتلوا أنفسهم.. فلننتبه.

 

 

اترك تعليقًا