سياسة دفن الرأس في الرمال كالنعامة التي يُنسب إليها هذا الفعل دون دليل ملموس ليس سياسة وإنما هي نوع من الارتباك الحكومي والإرباك الشعبي وهي في الوقت نفسه جهد غير محمود لإيجاد بيئة خصبة للشائعات التي تنمو فيها وقائع كأنها رؤوس الشياطين يقسم مروجوها أنها الحقيقة الخالصة حسب ما هو متاح لهم من المصادر المطلعة إلى حد ما وأن ما خفي أعظم، وقد سمعت واحداً من الذين يدعوّن الإطلاع على الخفايا والخبايا يمني مسؤول “ملء هدومه” بأن الموازنات الجديدة من فوائض أسعار البترول على وشك الاعتماد والصدور وأن على المسؤول الذي كان يهز رأسه كمن لا يعلم من بعد علم شيئاً، أن يستعد بمشاريعه حتى لا تذهب سيول الفوائض إلى البحر شأنها شأن المياه التي تذهب هدرا لعدم وجود سدود تختزنها وتحتفظ بها إلى يوم ذي مسغبة، وأوضح أن الذي كان يبشر ويفتي لا علم له بما خلف الأبواب المغلقة وإنما هو يستنتج من الرش الإعلامي الغزير حول جنون أسعار البترول، وأما المسؤول المعني بالخطاب فكان كمن يسأل عن الروح فيشير إلى السماء بمعنى أنها “من أمر ربي” الغائب هنا هو الحكومة التي يفترض أن تتصدى للخطاب، وأن تضع الناس في صورة الإنتاج من البترول والعوائد المحققة ومصارفها التي تذهب إليها، وما لم تقم الحكومة بدورها وواجبها فسيبقى الأمر “سداح مداح” وسيقول الناس أن الفوائض تذهب إلى الجيوب أو إلى مشاريع وهمية وفي ذلك ما فيه من التعريض والتحريض “ومعظم النار من مستصغر الشرر” الثقة بعقول الناس ووطنيتهم وقدرتهم على تفهم الصعوبات والفرح بالإنجازات هي في صميم عمل أي حكومة تنظر إلى أبعد من أرنبة أنفها، وقد تبدو الأمور في البداية كما تبدو للأب الذي يخشى كثرة طلبات الابناء إذا اطلعوا على رصيده السمين في البنك إلا أن المسألة ستبدو عند الممارسة المنتظمة بشفافية نوعاً من العلاج المجرب للشيزوفرينيا الاقتصادية وغياب الأمل بل إن الشفافية تدعو الجهات المسؤولة نفسها إلى إعادة ترتيب أولياتها على ضوء ما تعلنه للجمهور الذي سيظهر من التعاون ومن الصبر والجلد ومن تحمل الضنك ما لا تتوقعه الحكومات التي تدفن رأسها في الرمال ظانة أن أحداً لا يرى مؤخرتها.
إن العالم بأسره يتابع إنتاج البترول وكميات تصديره وأسعاره “يا خبر من الحكومة بشق النفس وناقصاً غير مكتمل” لأن الكلام عليه ضرائب ورسوم سيعرفه المشاهد من 100 فضائية ذات ألوان ويستنتج لنفسه ولمن حوله ماشاء له فهمه وخياله وتحيزاته، شخصياً لا أرى أي مصلحة للحكومة في التعتيم، وقد ينبري من يقول من الشطار الذين يلعبون بالبيضة والحجر: إننا دولة نحصل على مساعدات ومعونات وهبات ومن الحكمة عدم معرفة المانحين بما نجنيه، وطبعاً هذا كلام يصدر عن جهل وفي أحسن الأحوال عن تفكير قديم عفى عليه الزمن فالمؤسسات الدولية والإقليمية والدول المانحة وحتى الجمعيات الخيرية تعرف عنا وعن غيرنا وأشباهنا ما لا نعرفه عن أنفسنا فلم تعد هنالك دولة تعيش اكتفاءً ذاتياً غامضاً لا يعرف أحد دخلها من خرجها، إننا في إنتاج البترول نراوح حول رقم بيننا وبينه عهد لا ينقض أما العوائد فهي تشبه السر الصوفي المقدس من باح به سقط من عليائه، الشعب شريك مع الدولة في كل شيء ومبدأ الشراكة الأول: تحاسبوا ولا تخاونوا فهل نأمل؟.