ذكريات من صنعاء (9) عودة العولقي إلى صباه..

كان زميل طفولة مبكرة قدم الى شعب «البادري» في عدن من رداع، وكنت أسكن في حارة الحدادين قريباً منه لا يفصلنا سوى مسجد «أبان» أحد معالم عدن الدينية والتاريخية.. وكنت اذهب في بعض الاحيان اليه لمراجعة دروسنا فأجد أباه عبدالله علي سالم العولقي ـ رحمه الله ـ رابضاً كالاسد ينظر في اوراق القات قبل ان يمضغها كأنما يقرأ المستقبل الذي كان ينذر باحداث جسام في نهاية خمسينات القرن الماضي، وكان الاب متوحداً مستوحشاً ولكنه شديد الاحترام للخطوط الحمراء التي وضعها لنفسه ولأسرته (وسرعان ما اجتذبته الثورة اليمنية فصفى اعماله في عدن وانتقل الى صنعاء) حيث انشأ أول محطة للبترول فيها في «باب اليمن» (وكان مزيجا من تاجر «مقاتل وقبيلي ومدني» وله في كل جانب نصيب وقصص تروى ليس هذا مجالها، وقد زرته في صنعاء وراقبته وهو يدير المحطة كأنه في معركة، الرشاش على كتفه والخنجر على خاصرته والمسدس بجانبه والقنابل في مرأى عينيه وهو مستعد بالحبال لربط أي من الاعداء الكثر وتلقينه ما يجب تلقينه، وكانت المحطة هدفاً مرموقا في حصار السبعين يعني نار من الخارج وقنابل ومتفجرات في الداخل وبترول قابل للاشتعال، كأنما كانت محطة العولقي نموذجاً ليمن ذلك الوقت، وقد كانت تربط الرجل بالمشير عبدالله السلال علاقات حميمة فتراه ذاهبا آتيا بين القيادة والمحطة حتى انتهى الى السجن حيث انقذته جنيهاته الذهبية من موت كان يعتقد انه محتوم، فقد كان يدفع جنيهاً واحدا كل يوم ليذهب وينام في بيته ثم يعود صباحا بكفالة السجان: (لماذا يا عم عبدالله هذا التدبير الذي افنى الذهب؟ لانهم كانوا في الليل ياخذون بعض المساجين للاعدام، وكنت لا اثق في حساباتهم فخشيت ان يأخذوني ولو بالخطأ، فلا اجد من اراجعه أو انتقم منه بعد ان اموت، اما الذهب فانا الذي جبته مش هو اللي جابني» اخيراً؟ اخيراً سلامة الرأس فائدة.

و«قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا » وبطلوا هدار.
اما زميلي ورفيق طفولتي علي عبدالله العولقي فقد طوحتنا الاقدار الى القاهرة بعيدا عن قبضة ابيه الحديدية والتي كانت تتراءى له في الاحلام بعد ان توفي اخاه محمد داخل برميل بترول كان يحاول شفطه ويبدو انه اصيب باغماء فسقط مغشياً عليه.
كلما ذهبت الى صنعاء ابحث عن العولقي لنستعيد ذكريات الصبا:
إنما العيش والصبا قبل ان                      ينجم نهداً او ان يدب عذار
وصاحبي مضياف اخذ عن والده القبيلة وهجر السلاح بعد ان درس في كرواتيا وتعلم لغتهم التي لم تفده بشيء الا في ترداد الاغاني التي علقت في ذاكرته من ذلك الزمن الجميل الذي درس فيه وتخصص في حفر آبار البترول، ويبدو انه اول يمني في هذا التخصص النادر، وهو اليوم (مستشار لا يستشار) على حد التعبير الظريف لاستاذنا العزيز المقالح.
وفي ديسمبر الماضي اخذته معي عقب 30 عاما قضاها في صنعاء الى عدن حيث مرابع الصبا.. وكان سعيداً جداً.. ولم يكن ينغص عليه سوى مظلمته في وزارة النفط والمعادن التي بخلت عليه بدرجته المستحقة، وقد هونت عليه الأمر، فما ضاع حق وراءه مطالب، وكان ينسى احيانا فيغمرنا شتاء عدن بالحنان حتى لنكاد نطير:
ومشينا مشي طفلين معا                      وعدونا فسبقنا ظلنا

 

اترك تعليقًا