ذكريات من صنعاء (6) وهل يخفى القمر..؟

كان الشاعر الكبير الاستاذ ابراهيم الحضراني يجلس على كرسي خشبي هزيل في زاوية من مقر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بصنعاء يمسح المكان بعينيه المغرورتين ونظراته الدافقة المليئة بالحنان والشفافية وبجانبه، أميل الى ان تكون مطلة من على كتفه الايمن كانت تجلس على كرسي مماثل ابنته المضيئة الوجه بلقيس الحضراني ترهف سمعها لكل كلمة يقول لها، وتصفق بعينيها وبدمدمة اقرب الى ان تكون لغة خاصة بينهما وكأنما لتشجع المتحلقين على أن ينهلوا من معرفة الاستاذ الحفاظة الذي يرسم بالكلمات ويحلق بأجنحة الخيال، اما في الأدب الشعبي ومحفوظاته فلدى الاستاذ غررٌ وآيات ونوادر والتقاطات تجلو صدى الليالي والأيام وتكشف عن الخالد الذي يتعب الزمن ويبليه قبل ان يتعب.

بدت بلقيس حافظة لدورها جيداً ، كأنما في فيلم سينمائي: تشابك كفيها ثم تسندها بطولي ذراعيها على كتف الاستاذ بحنان لا يثقل وبحب لا يخاف وحين يتمثل الاستاذ بقول الشاعر الشعبي: أمسيت من فقر ليلة.. ترتد بلقيس سريعاً الى الوراء وهي تكمل مع العد على الاصابع: سارق وزاني وكذاب.
وهكذا ظل دأبها راوية ثانية تؤدي بحضور الراوي الاول. الامر الذي ليس غريباً فالاستاذ نفسه تتلمذ على يد والده القاضي احمد الحضراني إحدى عجائب اليمن في الحفظ والرواية والفروسية ، وقد عمّر الى ما فوق المائة، وقد رأيته هو والاستاذ في مأدبة حضرها الشيخ عبدالله بن حسين الاحمر وثلّة من علية القوم، وكانا مثل اخوين وقد اسمعنا الحضراني الأب قصائد باللغة التركية والهندية ومن مأثورات اليمن في اشعار الحروب وزوامل الاستنهاض والفخر ولا أدري لماذا شعرت كأن الرجل هبط من السماء في زيارة لأهل الارض وكان الاستاذ ينصت الى والده ويضيف ذاكرته الى ذاكرته مثلما فعلت بلقيس بعد ذلك.
كنت قد تعرفت على الاستاذ ابراهيم الحضراني في الكويت اوائل السبعينات من القرن المنصرم حيث كان يعمل مصحح نصوص في مجلة «العربي» وكنت ازوره مع عائلتي بين الحين والآخر ونقوم احياناً بجولات مع صديق كويتي للاستاذ اسمه عبدالله الحمد كان يعمل وكيلاً لوزارة التجارة آنذاك، وكانت بلقيس واخوانها لا يزالون صغاراً ولكن ملامح النجابة بادية عليهم.. وعلى صغرهم الاّ ان الاستاذ كان يعاملهم كأنهم اصدقاء، وذلك من اعلى مراتب التربية التي لا يستطيعها الا الذين اتوا سعة في المحبة وسعة في الصدر..
 وبعد سنين عدة التقيت الاستاذ في بغداد كأنني لم افارقه الا منذ هنيهات : البشاشة تتقطر من ملامحه وصوته يأتي كأنه هديل الحمام وتذاكرنا الكويت وايامها، وما فتح الله عليه في اليمن، ثم عرفني على الملحن السعودي طارق عبدالحكيم قائلاً: اتتذكره.. طارق .. طارق عبدالحكيم.. يا ريم وادي ثقيف.. الاستاذ ينجذب الى الجمال انجذاب الفراشات الى النور: أنسيت يافضل ..
يا ريم وادي ثقيف.. لطيف شكلك لطيف..
ومن ينسى ذلك يا استاذ ابراهيم..
الشهر الماضي زرت الاستاذ في بيته في صنعاء: تمكن الزمن من ساقيه فأتبعهما ولكن روحه لم تزل محلقة في اعلى الاعالي وقال لي : انه ارسل «بلقيس» لحضور حفل تكريم نظمته له جامعة عدن.. هل تتذكر بلقيس يا فضل . يا استاذ: وهل يخفى القمر.

اترك تعليقًا