كان ذلك في أوائل عام 1974م كما سبقت الإشارة، وكنت أنا وصديقي محمود الحاج نتنسم بواكير نسائم الحرية في صنعاء بعد ان غادرنا عدن التي صبرنا وصابرنا فيها حتى غيض الصبر وانعدم الأمل تماماً وهو مايعد من أكابر البلايا التي يصاب بها الانسان، وكنا نردد من باب تعزية النفس وإلهائها «لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس» ولكن اليأس كان يترصدنا في كل مرصد يلوح لنا ولسان حالنا يردد مع مطهر الارياني «صبرت صبر الحجر في مدرب السيل واكثر».
كانت هنيهات من الأمل الوليد أرخت صنعاء من ودها عليه ضفائر المحبة وسحر الجلسات وكرم الأصدقاء ومنهم عبدالودود سيف الذي لازمنا كمن يخشى علينا حتى من النسمة تجرحنا. واسماعيل الوريث الذي استضافنا في منزله الكائن في مكان ما، متفرع من شارع عبدالمغني حيث شعرنا بأنه يفهمنا دون ان نتحدث وتلك من عطايا الشاعرية المرهفة والتعاطف الانساني، هبة الله لمن يحبهم، ومحمد المساح الذي كان آنذاك ضائعاً مثلنا يخبط الأرض خبط عشواء يوزع نفسه على الناس، كل الناس، كأنه المعني بقول الشاعر:
أقسم نفسي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد
ولقد كان الماء حقاً بارداً في بيت المساح، ذلك الدهليز الذي لا أجد في ذاكرتي له باباً آخر أو شباكاً ولكن صاحبه كان يشب بكل طاقته ليكون البيت والباب والشباك.
كان الزعيم الاستاذ احمد محمد نعمان عضو المجلس الجمهوري الذي قابلناه في مكتبه قد أسر الينا انه يحضر لإصدار صحيفة وعرض علينا العمل معه، فلما رأى ترددنا الذي لم يكن تمنعاً وانما تهيباً قال لنا: انا اقدر انكما مازلتما تعانيان من فعل الأغلال الجنوبية وستأخذان بعض الوقت للتخلص من تلك الآثار ونسيانها، مضيفاً انه حين خرج من سجن القاهرة في حجة، حيث كانت القيود في رجليه تنام وتصحو معه، اخذ يسير سير المقيد حتى بعد ان اطلق سراحه وتخلص من قيوده، وذلك على مجرى العادة ثم أخذ يردد:
ولو كان لي رأسان جُدت بواحد ولكنه رأس اذا راح أعقما
لم أعد اتذكر الشطر الثاني تماماً ولكن المعنى واضح، ولايزال رنين صوت الاستاذ يتردد في نفسي وهو يقول ويعيد مشيراً الى رأسه ورأسينا:
أخاف على فخارتي ان تحطما
الى أين تفكران في الذهاب؟ تنحنحنا وكأن طرق الخيارات امامنا متعددة.. ربما الى العراق. فعلق النعمان الابن محمد في لمح البصر:
كالمستجير من الرمضاء بالنار.. لكم كانت تبدو المقادير أمام ناظريه واضحة في الأفق البعيد.
ثم جاءت قاصمة الظهر وثالثة الأثافي حين استضافنا رئيس الاستخبارات محمد خميس في مكتبه للتعارف البريء، مشيراً الى البركة التي أمامه قائلاً انهم يتقولون عليه بأنه يعذب الناس بكتم انفاسهم في الماء.. وكانت الاشارة أكثر من واضحة، استعدتها قبل ايام مع الاستاذ عبدالكريم الرازحي الذي وجده نائب محمد خميس في احدى المخابيز فقال له: عيني ملآنة منك، أين شفتك، فضحك عبدالكريم الساخر وهو يقول له: في طلعه نزله، مشيراً الى خنق انفاسه في البركة اياها، وليس لي في ختام حلقة اليوم الا ان اقول لصنعاء ماقاله قيس عن ليلى:
لم تزل صنعاء بعيني طفلة .. لم تزد عن أمس الا اصبعا