إذا كان لـ«الأحكوم» ان يفخروا فوق ما تفخر اليمن فبالاستاذ محمد عبده نعمان الحكمي رحمه الله عليه، وكنت اسميه «حاتم الطائي اليمني»، ولذلك قصة حيث زرت الاستاذ في فندق «الامبسادور» على ضفاف دجلة في بغداد، وكان يمر بضائقة لم يتحدث عنها وانما قرأتها في وجهه، وقد اتصل بزوجته ام جهاد وطلب منها احضار « الموضوع» لأن وقته قد حان، واقبلت ام جهاد ومعها صرة فتحها امامي فاذا فيها ذهبها، وفهمت من الاستاذ ان زوجة صاحب الفندق قد فتنها ذلك الذهب القديم المشغول بفنية عالية واساليب لم يألفها اهل العراق فعرضت شراءه ولكن ام جهاد رفضت رفضا باتا لأن الذهب او بعضه انحدر اليها من الأسلاف، ويبدو ان الاستاذ الحكيمي لم يطاوعه قلبه في الضغط عليها، اما وقد جاء الطلبة يطلبون مساعدته فلم يعد امام حاتمنا الا ان يذبح حصانه الاثير الى قلبه والذي لايملك غيره، وقد كان ذلك وطار الطلاب اليمنيون الثلاثة بارزاقهم، كل واحد مائة دولار، والاستاذ يهش ويبش كأنك تعطيه الذي انت سائله، ولا أدري اذا كات الساعات الاربع والعشرين قد دارت وفي جيبه شيء سوى دمعتي ام جهاد.
زرته في صنعاء فوجدت بيته مفتوحاً على مصراعيه وعلى «ماحصل» اصحاب حزب «التجمع الوحدوي» واعضاء من اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين، وصعاليك وفدوا الى هناك، والبشر على كل الوجوه، لأن الكرم ليس بالذبح والطبخ وانما في هناءة نفس المضيف وحبه للناس وسخاء روحه قبل جيبه، وهل كان للاستاذ جيب وهو النظيف الوجه واليد واللسان؟ وقد سمعت واحداً بجانبي كأنما يكلم نفسه: خففوا على كرام الناس.. خففوا على كرام الناس ياإخوان.
لكم يبدو بعض الناس اغنياء وليس لهم سوى خبزهم كفاف يومهم، وكم يبدو بعض الاغنياء معسرين يستاهلون الصدقة تقربا الى الله الذي اكرمهم فبخلوا حتى على انفسهم، وكان الاستاذ الحكيمي مضرب المثل في الكرم، فكيف تتصور هذا الانسان في عالم السياسة و العمل العام، لن يكون الا كحبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء.
الاستاذ الحكيمي انشأ الجبهة الوطنية في عدن عام 1956 اذا لم تخني الذاكرة قبل ان يستقيم للحركة الوطنية عود.. وما شعر الانجليز وهم من هم في طول البال بخطر كما شعروا من هذا الرجل المخلص المؤمن بعمق بوحدة وطنه ولذلك ابعدوه الى تعز كأول علامة على المنافي السياسية التي سيشدد عودها بعد ذلك، وقد اقنع الامام أحمد بإنشاء اذاعة موجهة الى الجنوب وكان على رأسها، وحين قيام الثورة التي لاشك انه واحد من ابرز من مهدوا لها اندفع في صفوفها وكنت تراه في كل مكان يشع نظافة وطهارة وطنية.
رحم الله استاذنا محمد عبده نعمان الحكيمي حاتم اليمن.