ماجدة موريس والعمة فوزية – 8

من عجائب الصدف أن الزميلة المصرية ماجدة موريس التي كان حديثها الصحفي معي هو السبب في إغلاق أبواب الإعلام بوجهي بسبب الإشارة إلى إعجابي بعبقريات العقاد الإسلامية، كانت هي ذاتها من فتح في وجهي تلك الأبواب، فقد صدف ان اجرت مقابلة مع وزير الإعلام آنذاك “عبدالله الخامري” الذي كان في زيارة لمصر لحساب جريدة الجمهورية القاهرية حيث عنّ لها أن تسأله على هامش الحديث عن زميل الدراسة، الذي هو انا،  وقد اثنت على أدائي الدراسي، الامر الي غير وجهة نظر الوزير 180 درجة بعد أن أعيتنا الحيل والوساطات والشهادات، فعاد إلى عدن متحمساً “وكأنه ولي حميم” لينقلني على وجه السرعة من كلية عدن التي قضيت فيها أمتع الأوقات مع العميد عبدالوهاب عبدالباري وأغنامه والودودة إلى الإذاعة كرئيس لقسم الأخبار.

كان مبنى الإذاعة القديم يقع مباشرة على البحر في مجينة التواهي على مرمى حجر من دار الرئاسة الذي كان مقراً للوالي البريطاني قبل الاستقلال عام 1967، وكانت رائحة البحر ونسماته المنعشة وطيوره البيضاء الصخابة هي التعويض الرومانسي الحالم عن زوابع العميد في الصحراء الكاوية التي تقع فيها كلية عدن في نقطة التماس بين الشيخ عثمان و دار سعد وهي نقطة حدودية كانت تسمى “نمبر ستة” وتفصل مستعمرة عدن عن سلطنة “العبادل” في “لحج” وعلى مقربة من الكلية تقع “مبارك” الجمال – بكسر الجيم- مرابض الأغنام فلا تسمع غير الهدير والثغاء وما يصاحبها.. أما هنا فما ثم غير الموسيقى والنجوم الوجوه الصبيحة ومداعبات البحر وما “يطلبه المستمعون”.

أما الأخبارالتي جئت من أجلها “فلا أخبار ولا يحزنون” إن هي إلا المنشفة نفسها نغمرها كل يوم في الماء ثم نعيد عصرها في الميكروفون مستمطرين اللعنات على أمريكا والإمريالية ومسبحين بحمد موسكو والاشتراكية.. وتلك سياسة مقررة.

في الإذاعة أخذت اتعرف على النخبة الثقافية ونجوم الإعلام وأتعلم شيئا من “الإتيكيت” الاجتماعي في زمن عصف بكل “اتيكيت” وكانت الفضاضة فيه عنوان الوجاهة والوقاحة اكثر انواع الثقافة رواجا، ولن انسى ذلك اليوم الذي دخلت فيه “استوديو” تسجيل البرامج، وكان الأستاذ الشاعر محمد سعيد جراده يتحضر لإجراء مقابلة بينما المذيعة اللامعة “فوزية غانم” تحضر نفسها لمساءلته وتنشغل في الوقت ذاته باختيار موسيقى ومؤثرات صوتية، وكانت ضابطة الصوت “زينت عبد الرحمن” وافقة بلا عمل، فقلت لها على البداهة:” ساعدي عمتك فوزية يا زينت”.

فإذا بفوزية تنتفض كأنما لدغها ثعبان وهي تمد يدها حتى كادت تقتلع عيني فيها هي تصرخ بكل صوتها: “عمتك في عينك يا بلا نظر!”

هذا المشهد الذي أرعبني أضح الاستاذ جراده حتى وقع على قفاه وهو يقول لي :”يا أهبل.. تعلم كيف تخاطب النساء”.

وقد ظل بعد ذلك – رحمه الله – طوال عشرين عاما كلما قابلني يبادرني بالسؤال: ” كيف عمتك فوزية؟” ثم يغرف في ضحك من كل قلبه.

اترك تعليقًا