كنت أعرف أن شاعرنا الكبير محمد سعيد جرادة مستور الحال، على أساس الحكمة الشهيرة: “أشاعرٌ ومال… ضربٌ من المحال” ولكنني لم أكن أعلم أن ذلك ألذي أثرى وجدانات الناس بأنفس أنواع اللالئ المشعة من الشعر يعيش في ذلك الفقر المدقع، فقد زرته في بيته عقب طبخة (صانونة الموز) الشهيرة، وأقول بيته من باب المجاز وتسمية الشيء بضده، وإلاّ فهو شيءٌ أشبه بعش (اللقلق) المعلّق… حاجة مثل القبعة على رأس (شمّاعة) تصل إليها بسلم خشبي تئن مفاصله كأنما صنع منذ أيام (دقيانوس)… كيف استقرّ على هذا النحو؟ هذا من باب المعجزات.
إذاً… الجرادة هو الوحيد من قبيلة الشعراء والمثقفين الذي لن يفقد شيئاً، ولذلك بينما كان المكلومون يئنون كان يلتقط المفارقات يسرّي بها عن نفسه وعن الآخرين… أهذا بيتك يا أستاذ؟ ياله من قصر منيف تركض فيه الخيل… أضفت: “أنا لا أخشى الصعود… ولكن كيف النزول؟!” رد عليّ بأنني لم أر شيئاً بعد، فثمة الفرش والطنافس والعدد والديكور المبهر الذي سأراه في الداخل وأخذ يردد أبياتاً من الشعر:
ورب فأرة بالقرض ليلاً / متى ما رمتُ نوماً أزعجتني / إذا شعرت بيقظتي استكنّت / وإن شعرت بنومي أيقظتني / أقول لها أقرضي وكلي نهاراً / وفي الليل اتركيني واستكنّي.
تذكرت ساعتها قصيدة الجرادة (لقاء) التي يشدو بها الفنان الكبير محمد مرشد ناجي، كم من القلوب أسعدت، وكم من الصبايات أثارت، وكم تناجى بها العاشقون، بينما صاحبها يتجرّع البؤس في هذا الجحر.
يا حبيبي أي عيد أي سعدٍ / سوف تبقى هذه الليلة عندي / عندنا ورد حكى رقة خد / ومدام أشبهت فرحة وعد / وفراش ناعم المخمل وردي / وأحاديث صبابات ووجد / سوف أحيا هذه الليلة وحدي / وسيحياها رواة الشعر بعدي.
كان الجرادة الساكن بحارة (الهاشمي) أحد نجوم مدينة (الشيخ عثمان) لم يُحنِهِ البؤس والفقر ولم يلو الزمن ذراعه الشعرية الطائلة، وكان الجميع يلقبونه بـ (الأستاذ)، وحين شحّت الأرزاق، وهانت الأعناق، وتطلع أكثر الناس إلى الانعتاق في عدن مطالع السبعينات كان الأستاذ يبسط الأمر على النحوي التالي:
“قصتنا مع (الجماعة) مثل قصة صاحب الدبّ الذي كان يحبّه حباً لا شك فيه، ولكن على طريقة (الدّببه)، فحين رأى ذبابة على وجه صاحبه أخذته الحمية والغيرة فأراد إبعادها بل وتأديبها، فما كان منه إلا أن لطم وجه صاحبه مقتلعاً عينيه وأذنه وأنفه، تعبيراً عن (الحب العظيم).