ثريا والجاوي – 25

أخيراً… حصحص الحق، فقرر عمر الجاوي المدير العام للإذاعة والتلفزيون بعدن الزواج، وهو من مشاهير العزاب في المدينة، ولم أعلم إلاّ بعد ذلك بسنوات أنه كان متزوجاً من (روسية) في (موسكو) وأن له منها ابنة وحيدة.
أمّا (المحظوظة) فكانت (ثريّا منقوش) وهي من هي في ذلك العصر والأوان… خريجة جامعية، طول في عرض لدرجة أنها إذا ضبطت تسير بجانب الجاوي يبدوان مثل رقم (10)، وطبعاً هي الواحد، ولذلك فقد كان يتحاشى السير معها.
إضافة إلى ذلك، كانت ذات شخصية هجومية كاسحة، وذات بأس وعنفوانٍ شديدين، فقد كانت عضواً في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، تدرّبت في ميادين القتال، وجابت بلاد الشام برجليها، وعرفت الضبط والربط والتمرّد أيضاً.
وكان لديهما اهتمام كبير بالبروز الإعلامي، فهي ضيفة دائمة في مختلف البرامج (تهبش) في رقبة هذا، أو تضع أصابعها في عيني ذاك، وكانت إذا مرّ شهر ولم استضفها في برنامجي التلفزيوني المفتوح (فنجان شاي) تتصل بي مؤنبة ومقرعة، وكأن ذلك حقٌ من حقوقها التي لا تغض الطرف عنها.
المهم أن الأخت (ثريا) قضية ما تحمّلها ملف، كما يقول شاعرنا (المحضار)، وحتى لا أنسى، أشير إلى أنها كانت موجودة في بيروت أثناء الغزو الإسرائيلي، فقصف الطيران الإسرائيلي المبنى الذي كانت فيه وكانت هي الوحيدة التي خرجت سالمة من بين الأنقاض، وأثناء اسعافها على النقالة جرى قصف آخر فقُتل المسعفون وسلمت هي، إلاّ أنها على ما يبدو – والله أعلم- أصيبت بارتجاج في المخ من نوع ما، لأنها منذ ذلك الحادث تدعي أنها تتلقى وحياً وإشارات وعلى كل حال فتلك قصة أخرى.
سألت الجاوي عن الأسباب وراء هذا القرار الخطير… فقال لي: “ما انت شايف الوضع، يوم عند عمّنا عبدالكافي طبّاخ (الكريسنت هوتيل) ندخل مثل اللصوص ونخرج شمّ الأنوف، ويوم عند الحاج عبدالوهاب ونائبه عبدالعزيز في مطعم الشموع بخور مكسر، نشارك عمّال المطعم غداءهم، ويوم في بيت صالح الدحّان لما طفشت منا زوجته (سعادة) ويوم نضرب مشوار إلى (الوهط) في لحج يمكن نحصل عند اخواتي كسرة خبز وقليل قهوة، المهم يا سيدي الزواج ستر، لقمة وهدمة، وثريا كفوة وبنت ناس، وكما ترى مقاتلة من الطراز الأوّل.

قل يا سيدي كلّفنى (العم عمر) بمهمة (الخطوبة) وقمت بذلك على ما يرام، وتمت الخطوبة، بدون قيدٍ أو شرط، لأنه لا يتصوّر وجود من يشترط على (الجاوي) وقد عجز عن ذلك الوزراء الزعماء والرؤساء، وكانت المشكلة لإتمام الزواج أن شقة الجاوي احتلها رفيق دربه القادم من الشمال آنذاك (عبدالله الصيقل) ولا يمكن للجاوي تحت أي ظرف من الظروف أن يطلب من صديقه إخلاء الشقة، ولو كان في الأمر (قطع رقبة) فهكذا هو عمر الجاوي، ولا يطلب مني أحد تفسيراً لذلك، وقد كانت (ثريا) تتلمّظ مثل النمرة على الشقة ولكن هيهات، وكانت حذرة إلى حدّ ما لأنها لم تسبر بما فيه الكفاية أغوار الجاوي، ومهاويه السحيقة… أما كيف تمّ الزواج، فذلك ما سنفصّله غداً.

اترك تعليقًا