بعد ثلاثة أيام جاءتنا (ثريا) للإدارة العامة للإذاعة والتلفزيون، وكنا نتحدث في العمل فخاضت في الحديث كعادتها فصرخ الجاوي: “يا أخ ثريا با أقطع لسانك لو تدخلت في العمل”، ومنذ ذلك اليوم أصبحت الأخت ثريا منقوش (الأخ ثريا) وعلى كل لسان وبقدر ما كانت تبرطم في البداية أصبحت تأخذ على خاطرها وتزعل إذا لم تقل لها يا “أخ” في المراحل اللاحقة.
اللطيف في الأمر أن الجاوي قال لي ذلك اليوم بعد أن هرش صلعته الشهيرة: “أعمل لفّة يابن النقيب (للكريسنت هوتيل) شوف عمك عبدالكافي إذا كان يقدر يدبر لنا غداء يسدّ جوعنا”… ظننت أن الأمر له علاقة بغضبة على ثريّا.. ولكنه أضاف، وثريا معنا كمان، قلت له: “وأين المنّ والسلوى، واللقمة والهدمة؟” قال: “انسى هذا كله… الأخ ثريا لم يدخل في حياته المطبخ أبداً، ولا ينوي أن يفعل ذلك، وهو يشتغل زعيم وبس، وأنا زعيم، وما أظن عدن تتسع لي ولها”.
وصرنا منذ ذلك اليوم نتصعلك ثلاثتنا وغلبتنا (ثريا) بقدرتها على التجوّل الحر في مطابخ مضيفينا من عباد الله الغلبانين الذين دعوا عليها وعلى عمر وعلى الخاطب الذي بين رأسين بالحلال.
الأخ المناضل ثريا – 26
عطفاً على زاوية الأمس حول قرار (عمر الجاوي) بالزواج، واختياره للأخت (ثريا منقوش) شريكة حياة، والتي نسينا أن نقول إنها كانت تعمل آنذاك مدرّسة في الثانوية، وفي الوقت نفسه تكتب للصحف، وتعمل على التأليف وتخوض فيما يخوض فيه سائر البشر المسيّسون في تلك الحقبة الاستثنائية. تدبّرت أمر شقة مؤقتة تعود لصديق يعمل في السلك الدبلوماسي، وتقع في شارع (المعلاّ) الرئيسي، وقد تمّ الزفاف بلا حفل ولا مدعوّين، فبعد العقد هرعنا أنا وعمر إلى سيارة العروس التي أخذت تسير بها الهوينى، وتوقفت أمام مطعم في شارع (الزعفران) بكريتر حيث بيت أهلها فاشترت دجاجة مشوية من حرّ مالها لزوم العشاء مع بعض المشروبات الباردة.
وكان الجاوي قد منّاني الأماني بأن موائد (المنّ والسلوى) ستكون إحدى نتائج هذا الزواج المبارك، وأن أيام الصعلكة قد ولّت إلى غير رجعة… وهل أجمل – يابن النقيب- من أن تفتح عينيك على القهوة الساخنة يليها الفطور المعتنى به، ثم تجد ملابسك مكويّة وما عليك إلا أن تلبسها لتذهب إلى العمل نشيطاً مبتهجاً، وللأسف الشديد، فإن أحلام عمر الجاوي الإنسانية البسيطة قد ذهبت أدراج الرياح، وأصبحت أثراً بعد عين.
ذهبنا إلى العماره الشاهقة وكانت الشقة في الطابق السادس والمصعد لا يعمل شأن سائر عمارات ذلك الشارع الذي كان مفخرة المدينة، كما أن خدمات إضاءة السلالم وجمع القمامة قد توقفت وفقاً لسياسة (أنا أمير وأنت أمير، فمن يسوق الحمير؟)… وهكذا أخذنا ثلاثتنا نخوض في بحر من الظلام والحفر والنتوءات وكانت ثريا تتقدمنا بعنفوان مقاتلة في ليلة عرسها، فكانت تسحب الجاوي وهو يسحبني حتى أدمتنا، فصرخ الجاوي من قلبه: “يا أخ ثريا، شوية شوية، مش هكذا يسحبون حمران العيون”.
ردّت ثريا بغضب: “أخ.. بدينا يابن الجاوي” قال: “أيوه.. وعادنا با اذبح (البسّة) كمان… إيش فاكره الدنيا سايبه”. أعطيت الشنطة للجاوي ونزلت أتسحّب في الظلام الدامس، فقد خفت أن تشتعل الحرب وأعلق فيها.