في مرحلة الهروب الكبير التي استمرّت طوال عقد السبعينات في عدن هبط الناس الذين ظلوا في البلاد إلى العالم السفلي ونبتت على ألسنتهم لغة الرموز والإشارات والجمل البراقة التي يتم تداولها بين عدد محدود من الناس ثم لا تلبث أن تنتشر حيث تصبح هي المتنفّس الوحيد في بلد يحكمه الخوف كان ليلاً هبط عليه ولم يغادر أبداً.
ولم يكن ذلك مقتصراً على فئة دون فئة فحتى الحكام تلبسهم الفزع الأعمى والدليل على ذلك السباق المحموم لتصفية كل خصم محتمل حتى وإن كان قابعاً في السجن مسلسلاً في الأصفاد، وقد روى لي الرئيس علي ناصر محمد أن المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني اجتمع بكامل هيئته ليناقش مسألة سجين سياسي أنهى محكوميته… ماذا نفعل به؟ وقد تضاربت الآراء بشأن هذا الأمر (الخطير) علماً أن المسكين كان يريد الخروج من البلاد بأي ثمن وغاية حلمه أن يحصل على إذنٍ بذلك.
وليس ببعيد عن الذهن مقتل جميع شيوخ يافع المسجونين وبينهم السلطان الشهير الذي يعدّ من رموز الحركة الوطنية (محمد عيدروس العفيفي) وأخوه محمود في مهزلة رخيصة حيث تم اقتيادهم بحجة إيصالهم إلى منطقتهم ثم جرى الإعلان بأن عصابة أجهزت عليهم جميعاً في منطقة (السيلة البيضاء) والغريب أن حرّاسهم وسجّانيهم لم يصب منهم أحد ولو بخدش للتمويه وعادوا سالمين غانمين…
ولم يكن حظ شيوخ (خولان) وقبائل أخرى (من الشمال) أفضل من حظ سابقيهم مع فرق أن شيوخ الشمال حوالي (40 شخصاً) ومنهم الشيخ الشهير علي بن ناجي الغادر كانوا ضيوفاً مكرمين معززين تمت دعوتهم واستضافتهم لاجراء مباحثات وخلال وجية الضيافة في خيمة كبيرة تم صب الجحيم عليهم في مذبحة غادرة لا مثيل لها إلا مذبحة المماليك على يد محمد علي باشا في مصر.
أما ما جرى للديبلوماسيين اليمننين فذلك حديثٌ تسير به الركبان فقد جرى استدعاؤهم من مختلف دول العالم لعقد مؤتمر لهم ثم أخذوهم في جولة في البلاد حتى لا (يتبرجزوا) وقد شحنوا في طائرة عسكرية جرى تلغيمها وتفجيرها في الجو ليتحولوا إلى أشلاء وما هم بعد ذلك أن تم اعتبارهم شهداء في (دراما) يعجز (هيتشكوك) عن إخراجها.
ومن طرائف تلك المرحلة أن الخبير البترولي المعروف اسماعيل سعيد نعمان الذي كان سفيراً آنذاك في واشنطن استضاف وزير الخارجية الذي ذهب لإلقاء كلمة في نيويورك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فلاحظ الوزير أن سفيره يقطّع (الصمون) بسكين كهربائي فلما عاد روى ذلك في اجتماع حزبي عالي كنموذج للسلوك البرجوازي فتقرر استدعاء اسماعيل للتحقيق معه بشأن هذه (المخالفة العظمى) مع العلم أن تذكرة العودة تشتري ألف سكين كهربائي وقد اشتمّ المسكين الطبخة فنفذ بجلده هارباً إلى أقرب منفى… وبيدي لا بيد عمرو… وبذلك نجا من المجزرة اللاحقة…
تحولّت البلاد إلى متاهة تستعصي على أي فهم حتى أنّ الشاعر الشعبي الكبير (ألخدش) أخذ يضرب كفاً على كف وهو يقول: “يالإخوان قلتوا راح وقت المستبدّ… وبا يجينا وقت راقي بايرقّينا، خرجنا من نكد وانه تلقانا نكد… دايم يلاقينا النكد من حيث ما جينا”.